عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق


غَائِصٌ في بَحْرٍ عَمِيْقٍ ، أُدْرِكُ ، و لا أُفْهَمُ

{] ضفة البحر [} (16)‎

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: خواطر وبتاريخ 10 يونيو 2008 | 6 تعليقات »

 {] ضفة البحر [}‎

27/1/2008
18/1/1429

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

في محادثة الجماداتِ أُنْسٌ قَلَّ وجودُه عند الأحياء ، لفيض المشاعر ببوحٍ لِما تُريد ألاَّ يسمعه البشر ، غيرَ ما يكون من انشراحٍ للصدرِ و ارتياحٍ للنفسِ .
كنت في ليلة بعيداً عن همِّ الحياةِ و شُغلها تبوأتُ من صُخور البحر الجِدَّاوي مقعداً ، و الليلِ زمناً ، و تصادُمِ الأمواجِ ببعضها نَغماً ، و رَشْقِ البحر عِطراً ، أتأمَّلُ البحرَ بِسَعةٍ لا أكاد أُدرك نهايتها ، و هدوءٍ في ذلك الصوت ، و على ما في الموج من اضطرابٍ إلا أنني ألمحُ سكونَه ، قلَّبْتُ النظرَ في هذه الحال التي عشتها و عاشرتها ، فكنتُ في تبادُلٍ جميلٍ لحديثٍ شيِّقٍ ، و حديث البحرِ لا حرجَ يعتريه ، و لا سوءَ يَشُوْبُه .
تذكرتُ و أنا على ( ضفة البحر ) راقماً ( ضفة البحر ) بَيْتَيْن قِيْلا من شاعرٍ لم يكن مُحباً لركوب البحر ، و إن كان الاتفاقُ جارياً في حالينا :

لا أرْكب البحـرَ إنِّـي *** أخشى عليَّ منه المعاطب
طينٌ أنـا و هـو مـاءٌ *** و الطينُ في الماء ذائب

فنقلني الخيالُ ، و الخيالُ بحرٌ ، من ( ضفة ) بحرِ الحِسِّ إلى ( ضفة ) بحر المعنى ، فكم من بحرٍ نغوصُه لا نُدركُ قَعْرَه ، و أعجز الغوَّاصين مَن يقفُ على شاطئه ، و الشاطئان متباينان ، و المُدركُ من البحرِ صيداً فعلى ما يوافقُ هواه و ذوقَه ، و البحرُ يُعطي ما طُلِبَ ، فقدر الطالبِ بقدر مطلوبه .
بحورُ الدنيا التي يخوضها الإنسان لا حصر لها ، فكلُّ حدَثٍ بحرٌ ، و كلُّ مارَّةٍ بحرٌ ، و كلُّ شيءٍ بحرٌ ، وماءُ البحرِ معانٍ و أسرارٌ ، مُلوحة البحرِ جمالٌ و حُسْنٌ ، و كمالٌ في الهيئة الظاهرة .
بحرُ المعرفة مُتلاطم الأمواج واسعُ المساحة ، بعيد القَعر ، مليءُ بالدُّرِّ ، و كذلك بحرُ الفِكْرِ لا ينتهي عند حدٍّ ، و ليس له غايةٌ زمنية يقف عندها ، يسير بأمواجه حيثُ جرَفَتْه رياح الفضاء ، و مجاديف قواربه إما تُوجِّهُ المسيرَ و إما تُضيِّعُه ، و بحرُ التأمُّلِ لا ساحل له ، حيث لا حدود تحوطه ، فيغرق المرءُ فيه فيكون طيناً ، و إن غرِقَ أتى بشيءٍ لا يعرفه إلا من ذاقه ، و كلُّ بحرٍ معنويٍ يُعتبَرُ له البحر الحِسِّي .
على صخرة صمَّاء في ( ضفة البحر ) جلوس الناظر في حال البحر ، فلا معرفة للبحر إلا بوقوفٍ على ما يُطِلُّ عليه ، تلك الصخرةُ تجعل الإنسان في نُقْلةٍ من عالَم الحِسِّ إلى عالم الشعور في تأمُّلات العقلِ لرسائل البحر ، و هي ركيزة الاعتماد حتى يرتفع بها الإنسان و يعتلي ، فتكون قدمُه على موطئٍ راسخ ، فثباتُ الأصلِ ضمانٌ لثمر الفرع .
‘ الشاطيءُ ‘ هو البداية الأساسية ، و الواجهة الرئيسية للبحر ، لأنه نُقطة الانطلاق ، و هو برُّ لكلِّ خائضٍ ، و البحر الذي لا شاطئَ له مَهْلَكةٌ ، و تارك الشاطيء إلى مواطنِ العُمقِ خاطبٌ لِحتفه ، و مُتعة البحر في شواطئه ، و لقاءات أهل الكمال تبدأ بالشواطيء .
‘ الموج ‘ لا يقف البحر عَن ضرْبِ أمواجه ببعضها و هي حِلية البحر ، و عِقْد جماله ، و هي ضربة قاتلة ، و صفعةٌ مُوْجِعة ، فما كلُّ موجةٍ بَهجةُ مُهجةٍ ، ففي تلاطُم أمواج البحرِ رسائل محفوظة ، و في قطرات مائه موجاتٌ ، و لا يعرفها إلا مَن مارَسَ ، فَلِمَن لا يعرف رسالة الأمواجِ أن يقفَ دون المغامرة .
الغرق في البحر لا يحدثُ إلا لمن لا يُتْقِن مهارة الغوصِ ، و الغائصُ الماهرُ يُخرج اللؤلؤ من مكامنه ، و لا يكون الغوصُ إلا في الأعماق ، و الوصول إلى الأعماقِ لن يتأتَّى إلا بعد مجاوزة البداية ، و البداية للبحرِ من شاطئه ، و قاعدة الشاطيء ضفته ، فمهارةُ التعمُّقِ مِن مهارة البَدْءِ ، و هكذا كلُّ بحرٍ .
لم تدعني الأمواج التي أرسلتها الرياح متلاطمة أُطيلُ مُكثاً في مسامرة البحر ، و لكأني بها تُوحي برسالةٍ أَنْ غادِر ( ضفة البحر ) فليست قراراً لأحد فيتبوأها ، و إنما هي نُقطة بَدْءٍ ، و بدايةُ انطلاقٍ ، و الاعتبارُ بحقائقِ التأمُّلاتِ لا بعلائقها .

عبد الله العُتَيِّق

{] زِنةُ التَّحْشِيَة [} (15)

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: مقالات وبتاريخ 10 يونيو 2008 | 798 تعليقات »

{] زِنةُ التَّحْشِيَة [}‎

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

لا يزال اللاحقُ مِن ذوي المعارفِ يَستدرِكُ على السابق، فيُتَمِّم كلامَه، أو يُقيّده، أو يُخصِّصه، أو يُبِيّنُه، إلى غير ذلك، فكانَ أن وُضِعَ الاصطلاحُ في الاستدراكِ و التَّتَبُّعِ على هيئة بناءٍ هرَمي؛ رأسه (المتن)، يليه (الشرْح)، تعقبُه (الحاشية)، و يُختَم بـ : (التقرير)، و قد يكون ثَمَّ تجاوُزٌ فيهِ، إذْ لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاحِ.

و (التحشيةُ) ثالثةٌ في الترتيبِ، و هي مكمَنٌ لدقيق التحقيق، و مخزَنٌ لفهمِ الوهم، فلا يكادُ يجرؤُ عليها إلاّ النَّبَغَةُ ممن نال التمكينَ في العلوم و المعارف، فشحَّ الزمان بِهم فلمْ يَجُدْ إلاّ بقِلَّةٍ، و الكرام قليلُ، و اليومَ طرَقَ بابها من غيرِ بابها مَن جمعَ بين حرفين، و ضبط حركتين، و لمَّ مُتضادَّيْن، و كثيرٌ ما هُمْ.

و الأصلُ فيها كينونتها في ذات الفَنِّ المطروقة فيه، و بتحقيقِ و تكميلِ ما لا بُدَّ منه، و ما خرجَ فلا يُحمدُ عند أهل المعارفِ.

نُوِّعَت (التحشيةُ) إلى أنواعٍ :
أوّلها: تأصيليٌّ، و هو ما كان مِن موضوعِ الكتابِ أو الفنِّ أصالةً، تكميلاً لنقصٍ، و استدراكاً لِفَوْتٍ، مما به يكتملُ التحقيقُ للمطروقِ فيه، مِن ذلك حواشي القُدامى، و عليها عَقْدُ الحَمْدِ و الثناءِ عند أهل المعرفةِ، لجودتها و قيمتها، و ما فيها من منثورِ النُّكَتِ.

ثانيها: تَكميليٌ، يُقَيِّدُ المُحَشِّي فيها ما يقتنصه من لطيف المُنتخباتِ المعرفية، و دقيق الأبحاثِ العلمية، مما يُستَلْطَفُ ذكرها، من باب: الشيءُ بالشيءِ يُذكرُ.

ثالثها: حَشَويٌ، تنتظمُ تحتَ قالةِ: “مَن قرأ الحواشي ما حَوَى شَيْ”، و أصِفُ هذا النوعَ بـ “الحواشي لواشي” و اللَّشُّ: الطَّرْدُ _ كما في “القاموس” _، و هذه ظاهرةُ الجيلِ الكُتُبِي في عالمِ التحقيقِ _ لا التأليف _ ، فقد غَدَتْ (التحشيةُ) صناعةً _ لا فنّاً تأليفيّاً_، ستُقامُ لها أصولٌ هزيلةٌ و قواعدُ مُهْتَرِئَةٌ، ليسهُلَ الولوجُ لكلِّ لَجوجٍ، و تفنَّنَ أهلُ النوعِ الحَشَوي في (التحشيةِ) فكانتْ الفنونُ الحشويّة:

أولاً: فَنُّ الفُروق النُّسَخِيَّة؛ إذْ يَعْمَدُ كثيرٌ إلى تقييدِ ما يقفُ عليهِ مِن فُرُوقٍ بين النُّسَخِ للكتابِ الواحد، فيقيمُ سطراً لحرْفٍ، جادةَ المستشرقين في النسخِ و الإظهار، يكتبُ: في نُسخةٍ ( وَ ) بدلَ ( فـ ) ، و في نسخةٍ: صلى الله عليه و سلم، و في أخرى: عليه السلام. و غالبُ الفروق لا تلوي على شيءٍ، و هذه صنعةُ مَن لا يُدرك إلاّ رَسْم الحرفِ فيُحسن الوَقْفَ، وَ عجبٌ أنَّ مُتَّخِذَ هذا الفنِّ محمودٌ، و موصوفٌ بالدِّقَةِ، و كم دِقَّةٍ أورثَتْ دَقَّةً، و أهل النوعين السابقين يلْحقهما ذمٌ جَمٌّ.

ثانياً: فَنُّ السَّرْد المَرْجعي ، عِند العَزوِ _ لما في المتنِ _ في الحاشيةِ يَروقُ لبعضٍ أن يأتي بجرِّ عَزْوِ المَرْجِعِ، فيسرُدَ: الاسمَ، و المؤلفَ، و لقبَه، و مولدَه و وفاتَه، و المحقِّقَ، و الجزءَ، و الصفحةَ، و الناشرَ، و تاريخَ النشرِ، و رقمَ الطبعةِ، و بلدَ الناشرِ. يهونُ الأمرُ إن كان المرجعُ واحداً، لكن إن كان أكثرَ من مرجعٍ، و ليتَ الاقتصارَ على جرِّ العزوِ أولَ الأمرِ فحسب، بل عند كلِّ ذكرٍ للمرجعِ، على أن الاقتصارَ على: الاسم ، و الجزءِ، و الصفحةِ، كافٍ، و لكنَّها آفةٌ أكاديميةٌ، الصبرُ عليها ضرورةٌ على ضررٍ.
هذا الفنُّ مُملٌّ لما فيهِ مِن طولٍ مَهولٍ، و ضخامةٍ مُسْئمةٍ.

ثالثاً: الفنُّ التسويقي، يَتخذُ البعضُ (التحشيةَ) محلاً تطبيقياً لفنِّ التسويقِ، فيُنَزِّلُ نظرياتِها ليُحْسِن الفنَّ، يذكرُ كثيرٌ كثيراً مِن: لنا، كتبنا، حققنا، لن تجده في غير كتابنا.
و من التسويقِ تهميشُ الغيرِ _ بأدبٍ في التسويق _ فيُسطِّرُ: لديه أخطاءٌ كُثُرٌ، صحَّفَ و حرَّفَ، له وهمٌ و خلْطٌ، ليس من أهل الفنِّ… .

انتقلتُ مِن فنِّ (التحشيةِ) الأصيلةِ إلى صناعةِ (التحشية) الدخيلةِ دون إشارةٍ، أدْعى لِلَفْتِ القلبِ، و صرفِ النظرِ، و بين الفنِّ و الصناعةِ فرْقٌ يلمعُ كبرْقٍ.

{] الحرفُ .. حنينٌ و أنينٌ [} (15)‎

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: خواطر وبتاريخ 10 يونيو 2008 | 181 تعليقات »

 {] الحرفُ .. حنينٌ و أنينٌ [}‎

2/12/2007
22/11/1428

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

للحرفِ عظمته في إبلاغ المُراد ، و صولتُه في إيصال المقصود ، حيث كان تعبيراً عمَّا يُخالجُ النفسَ ، و إظهاراً لما يبوح بالخاطر .

لمكانته الكُبرى أُوْليَ العناية العظيمة من أساطين لكلام ، و رُوْعِيَ مقامُه من سلاطين البلاغة ، فوضعوا له من أصول الرعايةِ و أُسُسِ الحمايةِ ما دفع بالدُخلاءِ خارج الدائرة ، و أبقى الشرفاء في تحقيق الوظيفة .

حَظيَ الحرفُ بتلك الرعاية الفريدة ، و التي لمْ يَحْظَ بها شيءٌ سواه ، فمن عناية بضبْطِ المبنى إلى ضبطٍ من حيثُ المعنى ، و بيانٍ لأحوال مجيئه مُفرداً و مُركَّباً ، فانتظمَ العملُ منظومةً متكاملةً في إيفائه حقَّه ، و لا زالَ التقصير باقيا .

كان الحرفُ ذا سُلطانٍ في تلك الحال ، و كان يَخلَع على نفسِه خِلعةَ المهابة و الإجلال ، إذْ كان في يَدٍ تعرفُ قدرَه و منزلتَه ، و تُدركُ مقامه و مكانتَه ، فكانت تضع الحرفَ على الورقِ الكريم الطاهرِ حِساً و معنى ، و تستعمله في المقاصد المُستحسنة ، و المُرادات الحسَنَة ، و كان كلُّه عينٌ لا حشوَ فيه و لا منه ، فأدرك اللاحقُ قُدسيتَه ، و عرفَ الخالفُ مرتبتَه .

إلا أن بقاءَ الحالِ من المُستحيلات ، و ديمومةَ الكمالِ من الخبال ، فإن تلك القُدسيةَ الحَرْفيةَ نالها ما ينالُ الدُّول ، و لَحَقَها ما يلحَقُ البَشَر ، فانقلبَ الحالُ ، و انتكسَ الميزان ، فتلقَّفَ الحرفَ كلَّ جاهلٍ لا يَعرفُ مخرجَ الحرفَ ، و لا يدري له صِفةً ، فغابَ عنه المعنى و اختلَّ لديه المبنى ، فوضع الحرفَ في موضع السُّوء ، و أنزله في محلَّة البوار .

يَتبعُ الحرفُ كلَّ معنى راقٍ صادقٌ فيه صاحبه ، و لو كان المُخالِف كثيرٌ ، فجمالُ الحرفِ في صِدقِ المقاصد ، و كمالُه في مضمونه ، فلا يَعرفُ الحرفُ إلا المضامين الباطنة ، و أما المظاهرُ فلا يقفُ عندها لأنها حرفُ حتْفٍ .

ارتباطُ الحرفِ بالإنسانِ متينٌ ، يجعلُه في حنينٍ دائمٍ إلى تلك الأنفسِ الطاهرة التي كانت تقفُ به وقفةَ الشموخِ و الرفعة ، فتنشُرَ به المعاني الرفيعة ، و المقاصد الرائعة الجميلة ، و الدلالاتِ الماتعة .

حنينُ الحرفِ إلى أناملِ العِزِّ التي قيَّدتْ أبلغَ عبارات التمجيد للغايات الحِسان ، و التي كان الحرفُ فيه الناطق الرسميُّ بقوةِ مئاتِ السلاطين ، و كان القليلُ منه يغلبُ جيشاً من الغَيِّ عرمرماً .

حنينُ الشوقِ في حرفِ الذوقِ يَسوقُ العربيَّ إلى صيانة الحرفِ من عبثِ صِبيةٍ طالما أَنَّ الحرفُ أنيناً طوالَ ليلِ التخلُّفِ و المَسْكنة ، و من سَطوةِ ذوي رأيٍ هابطٍ ساقطٍ لا يرتقي بهم فكرهم لبناءٍ و لا إعمارٍ عقلي ، و إنما تجميدٌ على وصفٍ واحدٍ بألفِ حرفٍ خالدٍ ، فتنوَّعتِ الأحرفُ و الوصفُ هوَ ذاتُه .

حنينُ الإبداعِ في حرفِ اليراعِ يَقود ذا الفكرِ إلى إعمالِ وظيفةِ الحرفِ في خَلْقِ الجديد ، فليسَ عاجزاً عَن احتواءٍ راقٍ ، و ليسَ قاصراً عن شُمولٍ واسعٍ ، فما عَدِم سوى عقلاً يستعملُه ، و فكراً يستخدمه .

ألمُ الحرفِ : وَجعٌ و فَزَعٌ ، همٌّ و غَمٌّ ، رَيْبٌ و عَيْبٌ .

و أملُهُ : سُموٌّ و عُلوٌ ، شُموخٌ و رُسوخٌ ، كمالٌ و جمالٌ .

ع . العُتَيِّق

{] فضلُ الإسلام [} (14)

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: مقالات وبتاريخ 10 يونيو 2008 | 173 تعليقات »

{] فضلُ الإسلام [}‎

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

جعلَ اللهُ الإسلامَ ديناً خاتماً ، و رضِيَه من عباده ، و ما كان ذلك إلا لمَيْزةٍ تميَّزَ بها الإسلامُ عن سائرِ الأديان الأخرى ، و خصوصيةٍ خُصَّ بها دون غيرِه ، و هذه المَيْزة و الخصوصية دالةٌ على فضيلةٍ لهذا الدين على سواه من الأديان السماوية و الأرضية .
قال تعالى : { و َمنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ منه } ، و قال تعالى : { اليومَ أكملتُ لكم دينكم و أتممتُ عليكم نِعمتي و رضيتُ لكم الإسلام ديناً } .
و تميُّزُ الإسلامِ نصَّ عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله : ” أحبُّ الدين إلى الله الحنيفيةَ السَّمحة ” .
و فضائلُ الإسلامِ كثيراتٌ جداً ، اهتمَّ بها علماءُ الإسلام و فقهاؤه ، و بيَّنوا حقائقَ الإسلام ، و أبانوا عن سِرِّ تميُّزِ الإسلام .
إلا أنَّ هذه الفضائلُ ظهورها و بيانها كائنٌ في الأفعال و الأقوال أكثرَ منها في الأذهان أو السطور ، فلن يعترفَ غيرُ المسلمِ بفضيلةِ الإسلامِ إلا حين ينظرُ لها ظاهرةً في واقع أهله ، و أما إذا كانت غير ظاهرةٍ فإنه سيتخذُ موقف المكذِّبِ المُنكِرِ .
و أبينَ ما كانت هذه الفضائلُ في عصور الإسلامِ الأولى ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” خيرُ الناسِ قرني ، ثمَّ الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ” فالوصف بالخيريةِ يتَّجِهُ نحوَ السائرين على نهجِ النبي صلى الله عليه وسلم ، و السالكين طريقته النيِّرة ، حيث قال : ” تركتم على البيضاء ، ليلُها كنهارها ، لا يزيغُ عنها إلا هالك ” ، و أما من كان منحرفاً عن جادته فليس محسوباً عليها معنى ، و إن كان محسوباً عليها حِسَّاً .
ففي حالِ أهل هاتيك القرون نرى حقيقة الإسلام المنصوص عليها في الحديث السابق ، و هي سماحته ، و لُطفُه ، و رحمته ، و شفقته ، و لينه ، و ليس فيه أضدادُ هذه الصفات ، و إن كانت فهيَ مُبَطَّنَةً بها .
على أننا نلحظُ أنَّ فضائلَ الإسلامِ جاءت على أهلِ الإسلامِ و غيرهم ، فليستْ خاصةً بالمسلمين ، بل الكفار تمتعوا بفضائل الإسلام ، و هذه من فضائله و ميزاته .

و فضائلُ الإسلام كثيرةٌ ، و إيجازها صعبٌ ، و لكن كافٍ من السِّوارِ إحاطته بالمِعْصَم .
فمنها :
1. عِصمةُ الدَّمِ ، فإنَّ دينَ اللهِ الحقَّ جاءَ عاصماً للدمِ ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : :” أُمرتُ أنْ أُقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، و أني رسول الله ، و يقيموا الصلاة ، و يؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها ، و حسابهم على الله تعالى ” .
فليسَ الدمُ مُهدراً و لا مُسبَّلاً لكلِّ ذواقٍ للدماء ، و إنما هناك ضمانات للدمِ المعصوم ، حتى دمَ الكافر لم يكُنْ مُراقاً إلا بعد التدرُّجُ و التنقُّلُ إلى أن وصلَ الأمرُ إلى إعلان الحرب ، و حتى الحربُ لا تكون إلا بأدبِها و فقهها ، فليستْ مهملةً .

2. اليُسرُ و السَّماحةُ فيه ، فليسَ دين اللهِ تعالى موصوفاً بالشِّدَّةِ و الغِلْظة و القسوة ، كيف يكون هذا من دينٍ يأمرُ فيه نبيُّه صلى الله عليه وسلم بالإحسان في كلِّ شيءٍ حتى ال***** ، فيقول صلى الله عليه وسلم : ” إنَّ الله كتبَ الإحسان على كلِّ شيءٍ ، فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلة ، و إذا ذبَحتم فأحسِنوا الذِّبحة ” .
و سماحته بيِّنةٌ ظاهرةٌ في سيرةِ النبي صلى الله عليه وسلم ، و في تعامله مع جميع أصناف الناس و أنواعهم و مراتبهم .

3. كماله و جماله ، فإننا نرى الإسلامَ وصفه الله و خصَّه بالكمال ، كما في قوله تعالى : { اليومَ أكملتُ لكم دينكم و أتممتُ عليكم نِعمتي } ، و كمالُه اقتضى أنَّه ليس بناقصٍ ، و لا يقبلُ زيادةً ليست على أصوله المشروعة .
و هو جميلٌ ، ففيهِ رعايةُ جانب الجماليات الإنسانية ، و الجماليات الكونية ، و كان وصفُ الجمالِ واضحاً في شرائعِه ، يقول تعالى آمراً بالجمال عند الصلاة : { خذوا زينتكم عند كلِّ مسجد } ، فليسَ فيه بذاذةً صارفةً عن حقيقةِ الجمال ، لذلك كان أهل العلم المحققين متصفين بالجمال في جميع أحوالهم .

4. صفاؤه و نقاؤه ، و هذه فضيلةٌ رعاها الإسلامُ و لَمْ يَرْعها غيره من الأديان ، و إن كانت فيها فليست على وجهِ كمالٍ فيه ، فإنَّه اهتمَّ بجانب الصفاءِ و التنقية ، فليس المرءُ إلا روحاً و جسداً ، و الإسلامُ جاءَ بالعنايةِ بهما كليهما ، قال تعالى : { و نزَّلنا عليك الكتابَ تبياناً لكلِّ شيءٍ } ، و سئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ، فقال : ” أن تُسْلِم قلبَك لله ، و أن تولِّيَ وجهك إلى اللهِ ، و أن تُصَلِّيَ الصلاةَ المكتوبةَ ، و تؤديَ الزكاة المفروضةَ ” رواه الإمام أحمد .
فاعتنى بظاهرِ المسلم و بباطنه ، فكما جاءَ مبيِّناً الشرائعَ الظاهرة ، فكذلك جاءَ مبيِّناً الدقائقَ في تهذيب القلبِ ، و تزكية النفس ، قال تعالى : { و ابعثْ فيهم رسولاً من أنفسِهم يتلوا عليهم آياتكَ و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمةَ } .

5. شموليته ، فليس منحصراً في زاويةٍ ، في معزِلٍ عن أمور الحياة الأخرى ، و إنما جاءَ مكملاً لجميعِ الضروريات و الاحتياجات و الكماليات الدينية و الدنيوية ، الفَرْدية و الجماعية ، قال تعالى : { و نزَّلنا عليك الكتابَ تبياناً لكلِّ شيءٍ } ، و قالَ : { ما فرَّطنا في الكتابِ من شيءٍ } ، و ما يزعمه بعضٌ من أنَّ الإسلامَ في منأى عن الحياة الإجتماعية فإنَّ حالَ الإسلام ، و كتابَ الإسلام ، و دينَ الإسلام يُكذِّبُ ذلك .

هذه جملةٌ من الفضائلِ ، جاءتْ في إيجازِ و اختصارٍ ، و هي غيضٌ من فيضِ فضائلهِ العظائم ، و التتبُّعُ لها مُتعبٌ للمتتبِّعِ ، نفع الله بها .
و صلى الله و سلمَ على سيدنا محمدٍ و على آله و صحبه

كتبَ
عبدُ اللهِ بنُ سُلَيْمان العُتَيِّق
16/11/1426هـ
الرياض

{] الكَتَبَةُ [} (14)

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: خواطر وبتاريخ 10 يونيو 2008 | 2 تعليقات »

 {] الكَتَبَةُ [}

30/9/2007 - 18/9/1428

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

الكتابةُ شرفٌ و فخرٌ ، و صنعةٌ منيفة ، و منقبة شريفة ، تقلَّدها صِناعةً الكثير ، و استعملها هواية الأكثرون ، و رامَ الكلُّ تأسيسَ القواعد ، و نثروا في التضاعيفِ الذوقَ الخالد ، حتى غَدَتْ متألقةً في جبين الصنائع ، و طبيعةً سامقةً في الطبائع ، فلا يشتغلُ بها إلا شريفٌ بَزَّ أقرانَه ، و عظيمٌ زَرَّ خِلاَّنَه .

بالكتابةِ يَعمدُ الكاتبُ لكشفِ مكنونِ نفسِه ، و يُظهرُ مخزونَ حدسه ، فينثرُ بأبلغِ التعابيرِ ما يُوصِلُ المراد ، و ينشرُ بأجزلِ العبارات دون أقصاد (1) ، و لكنَّهم في حال الرغبةِ في كَتْبِ ما يرومون في تبايُنٍ و اختلافٍ ، و تناءٍ في اعتساف ، فكانوا على نوعين :

الأول : مَن إذا رغِبوا في الكتابةِ جاءتهم مع الرغبةِ الأفكارُ متتالية ، حتى ليحار أحدهم في أيٍ يكتبُ ، و حتى إنَّ القلم ليواتينَّهم بما يُريدون رَقْمَه من معانٍ و خواطرٍ ، و هذا النوعُ كثيرٌ من الناسِ يتَّصِفُ بِهِ ، فلا تجدُ لديهم من العائقِ ما يعيقُ عن كتبِ ما يريدون .

الثاني : مَن إذا ما رغبوا في كتابةٍ ، فإنَّهم يُعايشون متاعبَ و عوائق ، فيصعبُ عليهم وجودُ فكرةٍ مَّا يكتبونها ، فإذا ما وجدوا الفكرةَ قد لا يُواتيهم القلمُ فيلزم اليدَ لتخُطَّ بِهِ ما تشاء .
و هذا النوعُ يمتازُ بأنَّه إذا بدأ بالكتابةِ فإنه يكون مُسترْسِلاً بالكتابةِ ، لأن الحاكم فيه ، و المتصرِّفَ في قلمه هي الفكرةُ ، فإن لم يستوعبْها في حالِ إقبالها ذهبتْ و ولَّتْ ، و طالَ الزمنُ حتى تعودَ ، و هؤلاءِ يلجأون إلى الخلوةِ و الوحدة حتى لا يطرأ عليهم من يقطع عليهم حبلَ الفِكرِ إذا وَصَل القلمَ بالكاغدِ ، و يُلامون بقِلَّةِ الكتابةِ _ غالباً _ ، و لكن مَن يَعذُرُ ذا القلم .
و هذا النوعُ غالباً ما يكون مُبْدعاً في كتاباته ، تجدُ فيها جِدَّةً ، و تجدُ فيها نوعاً من التميُّزِ .

إضاءةٌ : ما كل ما أحمله أقدر على كتابته … فبعض المعلومات تصلح للمشافهةِ … و بعضها للكتابةِ … و بعضها لهما … و بعضها لا ذا و لا ذا … 28/7/2007

___
الهوامش :
(1) أقصاد : متكسر .

{] تَنميةُ اللسانِ [} (13)

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: مقالات وبتاريخ 25 مايو 2008 | لا تعليقات »

 {] تَنميةُ اللسانِ [}‎

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

قال الأخطلُ :

إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ و إنما *** جُعلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلا

اللسانُ آلةُ التعبيرِ عمَّا في القلبِ ، بِهِ يُظهرُ الشخصُ مُراده و مقصدَه ، يَصِلُ المعنى المُرادُ إليه بعد تفهُّمِ العقلِ لما في القلبِ ، و اختلاف التعبيرِ بِه باختلافِ تبيُّنِ العقلِ له ، و تبيُّنُ العقلِ متفاوتٌ بقدرِ فهمه لمقصد القلب .

يرْغبُ كثيرٌ من الكَتَبَةِ و المُتكلِّمَةِ أن تكون أطروحاتهم ذات تميُّزٍ لُغويٍ ، و لكنْ لا يهتدي غالبُهم لطريقِ تنميةِ ذلك ، رغبةً في مشاركةِ الإنماءِ الذاتي ، و تطويرِ الطاقاتِ البشرية ، و حفظِ جوهرية اللسانِ كانت هذه الأكتوبةُ موجزةٌ ، تُبرزُ معالمَ الطريق ، مُهداةً لكلِّ صديقٍ .

[ تنبيهٌ : سأذكرُ ما أقدرُ عليه مِن كتُبٍ في مواضِعَ ليسْهُل الرجوعُ إليها ]

قِوامُ التنمية :

لتنمية اللسان ركائزُ هيَ قِوامُ بُنيانها :

أولها : بُنيةُ الكلام ، فإنَّ الكلامَ العربيَّ قائمٌ في بُنيتِه على أساسين :

الأول : بناءٌ صرْفيٌّ ، و هو ما يقصده النحاةُ و الصرْفيون من تأسيس بُنية الكلمة و ذكر أصلها و تحويلها حسْبَ الأحوال .
الثاني : بناءٌ إعرابي ، حيثُ مراعاة وضْعِ الكلمةِ في إعرابها ، حيثُ : الرفعُ و النصبُ و الخفضُ _ الجرُّ _ و الجزمُ ، و لكلٍّ علاماتها من حركةٍ أو حرْفٍ ، و يُذكرُ ذلك في أبواب النحوِ .

الاعتناءُ بالبُنيةِ الكلامية من هذه الجهةِ تأسيسٌ لصحةِ الكلمة ، و تدعيمٌ قوي لقاعدة اللسان ، حيثُ سلامةُ الكلمةِ من الخطأ البُنْيَوي ، تجدُ في بعضِ الكتاباتِ _ و التبعيضُ تكثيرٌ ، هنا _ مَن لا يُحسنُ ذكرَ أصلِ الكلمةِ صرفياً ، و يُخطيءُ الأكثرون في سَوقِها نحْوياً ، وباختلال البُنيةِ اختلالُ المعنى .

ثانيها : حليةُ الكلام ، لكلِّ بُنيةٍ حِلْيَةٌ ، و حليةُ الكلامِ جمالٌ أخاذٌ ، و سحرٌ جذَّاب ، يسلبُ لُبَّ القارئ ، و يسرقُ قلبَ السامع ، و الإبداعُ مرتَعٌ خَصْبٌ ، و مورِدٌ عذبٌ ، يشتكي في ظلمةِ ليله هجرَ الوُرَّاد ، و يُظمئُ نهارَ لفظه في مغازلةِ السُّهاد .

حِليةُ الكلامِ تنتظمُ :

أولاً : حليةٌ لفظيةٌ ، و هي المُحسِّناتُ اللفظيةُ في الكلام ، فجمالُ الكلمةِ في لفظةٍ حسنةٍ ، و عبارةٍ مُستحسنةٍ ، أجاد اللغاةُ في وضعها ، و حُليُّ اللفظِ أقسامٌ :
القسم الأول : الغريبُ ، فإنَّ لغريبِ اللغةِ رنةً ، تلفتُ النظرَ إليها ، و الغريبُ ما استغربَه الشخصُ لِجِدَّتِهِ عليه و جودتهِ في اللغة ، و لا يُنظر للغريبِ المُسْتَهجنِ _ لفظاً أو معنى _ فهو تقبيحٌ للحسنِ ، مذمومٌ عند اللغويين .
من الغريبِ المكتوبِ ما كان من ذكرِ ألفاظٍ تؤدي معنى واحداً ، كتبَ فيه : الهمذاني في ” الألفاظ الكتابية ” _ و تحقيقُ أميل يعقوب أجملُ لأنه تمَّمَ فصولَ الكتاب بالفائتِ معتمداً على ” نُجعة الرائد ” لليازجي _ ، و ابنُ مالكٍ في ” الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة ” .

القسم الثاني : الشعرُ ، فللشعرِ رونقاً في النثرِ ، و لا زال الناسُ يأذخهم الشعرُ و معناه ، و يسحرهم القريض و مبناه ، ومنثورِ حِكمِ الشعرٍ كثيرٌ جداً ، و شواهده أكثر .
و حيثُ كثرَ الشعراءُ ، و لزمت الكَتَبَةَ الحيرةُ فإن الانتقاءَ حسنٌ ، و قد كان مسلكاً جميلاً أخذ به أفذاذ العربية ، فانتَقَوا :
_ أشعاراً ، حِساناً ، مِن أجمعِ ما وقفتُ عليه : ” مختاراتُ البارودي ” في أربعِ مجلداتٍ ، و ” مجمع الحكم و الأمثالِ ” لأحمد قَبَّش .
- شعراءَ ، يأخذُ عقلَ بعضٍ شعراءَ بشعرهم ، لتوافُقٍ و انجذابٍ ، و لجودةٍ و انسياب ، لديَّ الشعراءُ السِّتة : أبو الطيِّبِ المتنبي ، الشريفُ الرضي ، ابنُ المعتزِّ ، صفيُّ الدين الحِلِّي ، أحمد شوقي ، محمود البارودي .

القسم الثالث : السَّجعُ ، سحرٌ حلالٌ ، نثرٌ أشبهُ بشعرٍ ، أفضلُه ما تساوتْ فِقَرُه ، و حُسنه في رصانةِ تركيبِهِ ، و سلامته من التكلف ، و خلوِّه من التَّكرارِ ، سلكه البلغاءُ و الأدباءُ ، سهلٌ لمن أكثر القراءة في كتاباتِهم ، و أدمن النظر في ألفاظ العربية .
حسنٌ قراءةُ : ” المقامات ” للحريري ، و كتبِ ابن الجوزي ، و غيرهما .

ثانياً : حليةٌ معنويةٌ ، تسري المعاني حيث المباني ، و كذا العكس ، فكما المعنى في بطنِ الشاعرِ ، فكذا النثرُ ، إذا ما حُلِّيَ اللفظُ بحليته المعنوية ، و حليةُ المعنى الكلامي في بلاغته ، و هي تجويدٌ معنويٌّ في تشييدٍ لفظي ، و البلاغةُ : معاني ، و بيانٌ ، و بديعٌ ، و لكلٍّ بَحثُها مطوَّلاً .

أملي بوضعٍ نقاطٍ على أحرفٍ ، على وِجازةٍ كما ذكرتُ ، و الحالُ الاختصارُ لطرْحٍ موسَّعٍ .

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق
2/7/1428
16/7/2007
الرياض

{] الداعية بين الإعراب و البناء[}(‎ (13

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: خواطر وبتاريخ 24 مايو 2008 | لا تعليقات »

 {] الداعية بين الإعراب و البناء[}‎

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

الزمنُ متغيرُ الأطوار ، متحولُ الأحوال ، و المرءُُ فيه متواكبٌ معَ ظروفٍ تُلِمُ به ، و أحداثٍ تعتريه ، و هو في ذلك رجلُ الموقف ، و صاحبُ القرار ، فإما إن يُمرَّ ذلك على نفسه بِحُسن الاستخدام ، و إما أن يكون المُضَيِّعُ .

( الإعرابُ ) و ( البناء ) مُصطلحان نَحْويان معتبران ، فالأولُ يتعلَّقُ بالتغيُّر ، و الثاني يتعلَّقُ بالثبات ، و ما أحراهما أن يكون في الداعية .

إنَّ الركودَ على حالٍ واحدة دونَ تغيُّرٍ لها ليس من المحمودات عند العقلاء ، و كذلك التغيًُّر المفرط ، و إنما الأمرُ عوانٌ بين ذلك .

إنَّ ( الإعرابَ ) في الداعية مطلوبٌ بقوة ، و مهم جداً في حياته الدعوية ، فلا سبيل لتحصيل مقاصد دعوته إذا لمْ يكنْ ثمَّةَ تغييرٌ و تحويل ، إلا أننا لابُدَّ لنا من رعايةٍ لذلك التغيير ، و ضَبْطه و ضمانه ، حتى لا ينفرطَ الخيط فينتثرُ الدرُّ .

بعضٌ يظنُّ أنه في حال تغيُّرِه قد أصبحَ شيئاً آخرَ غيرَ نفسه قبلُ فيتغيَّرُ جملةً ، و هذا ليس صحيحاً ، لأننا نطالبُ بالتغيير في أشياءَ دون أشياءَ ، و أمورٍ دون أمورٍ .

فَبِمَ يكون ( الإعراب ) في الداعية ؟
إنَّ التغييرُ يكون في غير الثوابت و القطعيات ، و التي كان عليها كلام أهل العلم عامةً ، و إنما هو في سواها من أمور خلافيةٍ ، و غير قطعية ، و على هذا التحريرُ من أهل العلم و الفقه _ رضي الله عنهم _ .
فلا يأتينا داعيةٌ يتبنَّى قضيةَ التغييرَ الدعوي ، فينادى بأعلى صوته بالتغييرِ في ثوابتِ ديننا ، و تحويل قطعيات إلى مسائلَ نقاشٍ في الساحة ، فإن هذا مرفوضٌ و مردود .

و إنما التغييرُ يكون في :
أولاً : الوسائل المستعملة في نشر الدعوة ، فإنَّ لكل زمنٍ وسائله ، و لكل قومٍ ما يناسبهم ، و الركود على وسيلةٍ واحدة يتعاقَبُ عليها أعدادٌ هائلة من السائرين في الدعوة يجعلها صارفةً الناسَ عنها في بواطنهم ، و لمَّا لمْ يكن إلا هيَ أقبلَ الناسُ عليها ، و في تغييرها بعضَ الشيء ، و التحوُّلُ منها إلى غيرها تركها الناسُ خلفهم ظهرياً ، و لا يلوون على شيءٍ منها .
و الوسائل كثيرة ، و التي في الذهن أكثر و أكثر ، و ما أحرانا باستعمال ( العصف الذهني ) لاستخراج مئات الوسائل الدعوية ، و كما قيلَ قبلُ ( الحاجة أم الاختراع ) .

ثانياً : تغييرُ صنفِ المدعوين ، فليس الداعية مطالباً بأن تكون دعوته حكراً على صنفٍ من الناس دون غيرهم ، كما أنه ليس مطالباً ببذلها لكل أحد دون تمييزٍ ، بل الأمرُ يفتقرُ إلى المصالح و المفاسد ، و النتائج و الثمار من بذل الدعوة و توجيهها .

نرى في الشارع الدعوى اهتمامَ أشخاصٍ بصنفٍ معيَّنٍ من الناس ، يخاطبونهم في دعوتهم ، و هذا حسَنٌ إذا كان فيه إنتاجٌ حسن ، و عكساً لذلك إذا كانت هناك نتائج ضئيلة ، أو لم تكن ثمةَ نتائج .
و مقابل ذلك من نراه يخاطبُ كلَّ الفئات دون تمييزٍ ، فلا تدري أدعوته لفئة الشباب ، أم لفئة المشتغلين بالعلم ، إلى غير ذلك .

فمراعاة الفئة المدعوَّة مهمٌ جداً ، حتى تكون الأطروحات الدعوية موحدة ، و توجيهها إلى أحسن و أفضل .
و هذا كان موجوداً في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و ذلك في قصة إرساله سيدنا معاذ إلى اليمن ، فإنه بيَّن له صنْفَ المدعوين ، و أنهم من أهل الكتاب ، فما كان من صلى الله عليه وسلم إلا أنه أرشده إلى طريقةِ دعوتهم ، و أولويات الدعوة .

إلى أشياءَ أُخَرْ يكون التغييرُ فيها مطالَبَاً به المرءُ الداعيةُ إلى الله ، يعرفها من اشتغلَ في الدعوة و التبليغ للرسالة .

و كما أنَّ هذا التوجيهُ للداعيةِ في تغييرِ حياته الدعوية ، و جعلها ( مُعْرَبَةً ) فإننا إن لمْ نكنْ معه على نسقِ العون له ، و الوقوف معه فلا مسيرة صحيحةَ لدعوتنا ، فلا بد من التأييد ، و المعاونة ، و المؤازرة ، و كلٌّ منَّا بأخِهِ .

و مع دعوتنا إلى التغيير في العمل الدعوي فإننا ندعو إلى ( البناء ) الدعوي ، و هو يتعلَّقُ بالثبات .
فنريد داعيةً يكون ثابتاً على منهاجه ، ملازماً لقانون دعوته التي رسمَ معالمها ، غيرَ مخالفٍ لقطعياتٍ دينية ، و لا مرتكباً لنقضِ ثوابتَ شرعية .

و يكون ثابتاً في مسيرته الدعوية ، فلا تعتريه فَتْرَةُ خمولٍ و كسَلٍ ، و لا يعتريه عجزُ و خَوَرٌ ، بل يكون حاملاً نفسه بيده ، سائراً بها في سبيل دعوته .

إنَّ داعيةً يأخذُ ( الإعراب ) الدعوي فيجعله في ثوابت الشريعة ، أو يأخذُ ( البناء ) الدعوي فيجعله في ما جرى الخلافُ فيه بين أئمة الإسلام ، إنَّ هذا داعيةٌ يعيشُ في عقلٍ منعزلٍ عن الناس ، و تفكيرٍ مُقْصى من العالم .

إذا حققنا ( الإعراب ) و ( البناءَ ) في مسيرة دعوتنا عرفنا كيف نتعاملُ مع أصنافِ المدعوين من الناس ، و عرفنا كيف نُدخل الدعوة في قلوبهم عن طريقٍ مقبولة .

إلا أننا لابُد من تبيانٍ لأمور ذات بال :
الأول : أن المرجعَ في معرفة الثوابت و خلافها في شريعتنا إلى الشرع ذاته ، و إلى ما هو مقرَّرٌ في مذاهب الأئمة الفقهية المتبوعة ، و إلى ما عليه اعتقاد أهل السنة أجمع ، فليس المرجعُ في ذلك إلى رجالٍ نالوا قدسية في نفوسِ بعضٍ ، و لا إلى مناهج فردية ، و إنما الأمرُ كما ذكر .

الثاني : بمعرفة السابق يكون اعتبارنا بمسائل الخلاف ، و أنَّ المعوَّلَ عليه في المرجعية بابُ خلافها واسع ، فالعذرُ مقبول ، و العمل على ما اتُّفِقَ عليه بين كلٍّ ، و ما جرى قدرُ الله تعالى به فكان الخلاف قائماً فيه فإنَّ لكلٍ مرجعه من أصول الأدلة و فروعها ، و الحمد لله الذي جعل خلاف أمتنا رحمة .

الثالث : للناس عوائد ، و للأقاليم أعراف ، و المروءة مراعاة ذلك ما لم يكن مخالفاً للشرع ، و أما ما خالف الشرعَ _ من قريبٍ أو بعيد _ فالمعوَّلُ على الشرع .

هذه خاطرةٌ أحسبها أفادتْ شيئاً مما يُعينُ في ساحة الدعوة ، و الأمرُ يحتاج إلى تمحيص ، و ما ذكرتُ غيضٌ من فيضِ الخواطر الدعوية ، و قليل من كثير ، و لكن الأملُ بالله تعالى كبير ، و الأمةُ إلى خير ، و بارك الله في الجهود .

حرَّرها
عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق
16/4/1426هـ
الرياض

(] المِنَنُ الوافدة في طرائقِ تقييدِ الفائدة [)(12)

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: مقالات وبتاريخ 24 مايو 2008 | لا تعليقات »

(] المِنَنُ الوافدة في طرائقِ تقييدِ الفائدة [)

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

الحمد لله ، و الصلاة و السلامُ على رسول الله ، و على آله و صحبه ، و من والاه .
أما بعد :
فإنَّ المرءَ حين تنقلِه بين رياضِ الكتب ، يجد من طيب الثمار ما يستوقفه ، و يشدُّ منه الانتباه ، و يسلُبُ منه الفكرَ ، و يُشغلُ الهاجسَ .
و لكن من أسفٍ أن تلحظَ كثيراً من القُراءِ يُهملون تلك الفوائد النفيسات ، فلا هم لها مقيدين ، و لا هم لها حافظين ، و هذه وصمةُ عارٍ في جبين أولئك القوم ، إذ ضاعتِ الأعمار بتحصيلِ ما يُستفادُ منه إبقاءً و إدامةً .
و لهذا أسبابه ، سيكون التعريجُ عليها قريباً _ بحول الله و توفيقه _ .
و تقييدُ الفوائد مهم جداً للقاريءِ ، و كما قال الأولُ :

العِلْمُ صيدٌ و الكتابةُ قَيْدُه *** قيِّد صُيودَك بالحبال الواثقة
فَمِنَ الحماقةِ أنْ تصيدَ غزالةً *** و تتركها بين الخلائقِ طالقة

و على هذا التقييد كان مسيرُ الأئمة ، و قد سموا كتبهم بـ : ” خبايا الزوايا ” ، أو ” الفوائد ” و نحوها .

إلا أنه ينبغي أن يُشارَ إلى أن الفوائد على نوعين :
الأول : فوائدُ لا بُدَّ من إبقائها ، و رعايتها ، و هي مربطُ الفرس ، و رنةُ الجرس .
الثاني : فوائدُ بخلاف الأولى ، فأمرها ليس بذاك ، و إن كان لا يُستغى عن تقييد أيةِ فائدة ، فلربما كانت الحاجةُ لها داعية في وقتٍ آتٍ .
إذا بان هذا ، فإنَّ أسباب عدم التقييد و الاحتفاظ و الإبقاء للفوائد راجع إلى سببين :
أولهما : عدم المبالاة و الاهتمام بالفائدة ، و هذه مصيبةٌ عظمى ، و خطبٌ جلَلٌ .
ثانيهما : عدم معرفة تقييد تلك الفوائد ، و هذا حالُ كثيرين من الناس ، و الله المستعان ، و لتفادي هذه المشكلة ، فإنَّ هناك طرائقَ عدة لتقييد الفوائد ، و هي :
الأولى : التقييدُ على جلدة الكتاب ، و لهذا صورٌ :
1. أن تكون على وجه الجلدة ، بأن تكون حول عنوان الكتاب ، و قد كان مسلوكاً عند العلماء في تقييد فوائدهم ، كما يظهرُ في صورِ المخطوطات .
2. أن يكون على بطن الجلدة من داخل الكتاب _ سواءً في أولِه أو آخرِهِ _ ، و هي الدارجة و الأسهل عند القراءة ، و لكن ينبغي مراعاة أشياء :
أولاً : كتابةُ رقم الصفحة .
ثانياً : كتابةُ طرف الفائدة ، أشبه ما يكون بكَتْبِ أطراف ألأحاديث .
ثالثاً : الإشارةُ إلى الفائدة بعلامةٍ عند موضعها في صُلْبِ الكتاب .
رابعاً : تصنيف الفائدة على حَسْبِ العلوم ، و لو كان تقسيم الصفحات إلى أنواع العلوم فَحَسَنٌ .

الثانية : التقييدُ في بطاقات ، و هي التي بحجم كفِّ يد المرءِ ، أو ما يُناسبُ المرءَ أو الفائدة ، و لها منهاجٌ حسَنٌ ، و هو :
أولاً : كتابةُ عنوان الفائدة في أعلى الصفحةِ في إحدى الزاويتين ، و ذلك لأن الباحثَ أول ما يقع نظره في البحث على أعلى الصفحة و الورقة .
ثانياً : كتابةُ الفائدة كاملةً ، و لا يُشيرُ إلى طرفٍ منها ، لأنه سيضطرُّ إلى البحث عن الكتاب لنقلها منه ، و إذا نقلها في البطاقة كاملةً اكتفى بذلك .
ثالثاً : ذكرُ مصدرها : ” الكتاب ” ( مجلد / صفحة ) ، و يُستحسنُ ذكر الطبعة .
رابعاً : ذكرُ تاريخ التقييد ، و يُفادُ من ذلك في معرفة حال التنقلات و التطورات الفكرية لدى القاريءِ .
خامساً : تصنيف الفائدة على حسب العلوم .
تنبيه : آفةُ هذه الطريقة أنه إذا كثُرَتْ البطاقات أين سيكون محلُّها ، فإنَّه لابُدَّ من وضِعِ محلٍّ لها و أدراجٍ ، أو صناديقَ لحفظها ، و عند حدوث ذلك لا بُدَّ من تصنيف الصناديق و الأدراج .

الثالثة : التقييدُ في ” كُرَّاسٍ ” ، أو ” كُنَّاش ” ، و ذلك بأن تُجعلَ الفوائد في ” كراريسَ ” ، و لها طريقتان :
أُولاهما : جعْلُ ” كُرَّاسٍ ” لكلِّ علمٍ ، و يُسلَك فيه الترتيب المطروق في ذلك العلم ، أي : على ” كتبه ” و ” أبوابه ” و ” فصوله ” .
ثانيهما : جعْلُ ” كشَّافٍ ” أشبَهَ ” الفهرِس ” الموجود في أواخر الكتب ، و أقرب ما يُشَبَّه به _ أيضاً _ طريقة تقييد الفائدة في بطن جلدة الكتاب ، و على هذا درجَ كثيرون من المشتغلين بالقراءة و البحث ، كالعلامة عبد السلام هارون _ رحمه الله _ .

الرابعة : حفظُ الفائدة عن طريق التقنية الجديدة ، و ذلك من خلال برامج الحاسب الآلي ، فإنَّ هناك برامج في ( الشبكة ) لتقييد الفوائد العلمية ، و لكن لا أظنها أحفظُ للفائدة من الطرائقِ الأُوَل .

الخامسة : حفظ الفائدة من خلال التسجيل الصوتي ، و حاصلها : أن القاريءَ يجعلُ معه عند القراءة آلةً لتسجيل الصوت ، فإذا مرَّ بفائدة حفظها بصوته في تلك الآلة ، و يُشار إلى أنه ينبغي ملاحظة ما يلي :
أولاً : ذكرُ الفائدة كاملةً .
ثانياً : ذكرُ المصدر : ” الكتاب ” ( مجلد / صفحة ) ، المؤلِّف ، و يُستحسنُ ذكر الطبعة .
ثالثاً : نسخُ الفوائد كتابةً بعد الانتهاءِ من الحفظ لها في الآلة .

السادسة : حفظُ الفوائد كَحِكَمٍ في مجلس أو مكتب ، تُعلَّق أو تُظهر موضوعةً على مكان بارز .
هذا ما سنح في البالِ تقييدُه على عُجالةٍ من الأمر ، و انشغالٍ من الذهن ، و لولا أن استدعى ذلك مني شريفٌ سَنيَّ النَّسَبِ لما كان التقييدُ منبعثاً مني ، و لكن لزوم الإشارة كافٍ في تحرير العبارة ، نفعني الله بما كتبتُ ، و عامةِ من وقفَ عليها .

و الله أعلمُ ، و هو الموفق ، لا ربَّ سواه ، و لا مُرشِد إلا هو ، و صلى الله و سلم على سدنا و نبينا محمد ، و على آله و أصحابه أجمعين ، و الحمدُ للهِ ختماً كمُبتدءٍ .

كتبها
عبدُ الله بنُ سُلَيْمان العُتَيِّق
سَحر الأربعاء ، 24/8/1426هـ
الرياض

(] المعالم في نقد العالم [)(12)

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: خواطر وبتاريخ 24 مايو 2008 | لا تعليقات »

(] المعالم في نقد العالم [)

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

فإنَّ كلاًّ منَّا يعلمُ مقام العالم في الإسلام ، و ما أولاه الله إياه من سَمِيِّ المناقب ، و ما حباه من رفيع المناصب ، و ما ذاك إلا دلالةٌ واضحةٌ بيِّنة على عِظَمِ حُرْمَتِه ، و تمام صيانته .
و لا زال احترامُ العلماءِ سائراً مسيْرَه عبر الأزمان تتناقله أنفسُ الفضلاء الشرفاء ، و تعافه أنفس الدُنآء الوُضعاء .
فكان من تلك الأنفس أنفسُ أهل هذا الزمان الغابر المُدْبِرُ ، حيث تكالبتْ أنفسٌ مدسوسةٌ في صف أهل الفضيلة و المنقبة فجعلوا أعراض العلماء فاكهةً لهم يأنسون بنهشها ، و يسمرون على عظامها ، و يُنهون المجالس باللعقِ لها ، و هم في كلِّ ذلك بين إدبارٍ عن فضيلة ، و نحو سعايةٍ لرذيلة ، اتخذوا من الآيات أسنمةً للسبِّ و القدح ، و من السنة مناشيرَ للبتر و الذبح ، يتزعمون دعوة المناصحة ، و ينادون برفع رايات الصدع بالحق ، و هم في الغرور سامدون ، و في اللهو مغمورون .
فكم قد تجرَّعَ العلماءُ منهم الأذى ، و نالوا من صنائعهم الأسى ، و العذر : لم يقلْ بما قلتُ ، بل لم يعتقد رأيي وهو الحق الذي لا يجادل فيه إلا صاحبُ هوى .
و ما هكذا ربانا الإسلام ، و لا على الحال تركنا علماءُ الإسلام ، و لكن لا عجبْ فأنت في زمن مدبرٍ مولٍّ ، استأسدَ فيه الفأر ، و استنسرَ فيه البُغاث .
و حتى نُوْجِدَ ضمانات للعلماء الأساطين ، و حُماةُ حِمى الدين فإنني أنثر في الأسطرُ معالماً تستسيغها نفوس كريمة ، و تتفيؤها أرواح عظيمة ، و ليس لي فيها سوى التسطير و التأليف .

المَعْلمُ الأول : لا عِصمةَ للعالم .
قال النبي ( صلى الله عليه و سلم ) : ” كلُّ ابنُ آدمَ خطَّاء ، و خيرُ الخطائين التوابون ” رواه الحاكم و صححه .
يقولُ الإمامُ الحافظُ ابنُ عبد البرِّ _ رحمه الله _ : لا يسلمُ العالمُ من الخطأ ، فمن أخطأ قليلاً و أصابَ كثيراً فهو العالم ، و من أصاب قليلاً و أخطأ كثيراً فهو الجاهل . ا,هـ [ جامع بيان العلم ] .

المَعْلمُ الثاني: الحقُ هو البُغْيَةُ .
قال شيخ الإسلام _ رحمه الله _ : ( وليُعْلَم انه ليس أحد من الأئمة-المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً- يتعمد مخالفة رسول لله-صلى الله عليه وسلم- في شيء من سنة,دقيق ولا جليل .
فانهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول –صلى لله عليه وسلم- ,وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ ) أ.هـ . [رفع الملام ص :4].

المَعْلمُ الثالث: { فتثبتوا }.
يقولُ الله _ تعالى _ : { يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجاهلة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .
وعلى القراءة الأخرى { فتثبتوا } .
و التثبتُ في خطأِ الشيخ من جانبين :
الأول : صحةُ وقوعه منه ، فإن كثيراً مما يُنْسَبُ إلى أهل العلم و الفضل من الكلامِ اللا مقبول _ حقيقةً _ عند أهل النظر و التمحيص ، فإنه لا يخلو الكلام من أحوالٍ ثلاثة :
الحال الأولى : كونه واقعاً صحيحاً عنه ، فهذا يأتي الحديث عنه _ إن شاء الله _ .
الحال الثانية : كونه مختلَقاً مكذوباً ، وما أكثر ذلك في النقل و الإسناد إلى العلماء .
الحال الثالثة : كونه مما يُلْزَمُ به كلامُ العالم المُوْهم ، و القاعدة : أن لازم القولِ ليس قولاً ، و لازم المذهب ليس مذهباً .
و هاتين الحالتين _ الأخيرتين _ لا يجوزُ التعويلُ عليهما إطلاقاً ، و من ثَمَّ فلا يجوز توجيه النقد على العالم بهما ، لأنه مما يدخل تحت البُهتان و الفِرْيَة .
الثاني : التثبتُ من كونه خطأً في الشرع ، و هذا مما لا يستطيعُ أحدٌ أن يجزمَ به ، قال الإمام زكريا الأنصاري _ رحمه الله _ : إياكم أن تُبادروا إلى الإنكار على قول مجتهد أو تخطئته إلا بعد إحاطتكم بأدلة الشريعة كلها ، و معرفتكم بمعانيها و طرقها ، فإذا أحطتم بها _ كما ذكرنا _ و لم تجدوا ذلك الأمر الذي أنكرتموه فيها فحينئذٍ لكم الإنكارُ ، و الخيرُ لكم ، و أنى لكم بذلك ؟ . ا,هـ .
و من الغلطِ أن ترى أُناساً من الذين عصفت بهم الغَيْرة يمنةً و يسرة يسارعون في الحكم على العلماءِ بأنهم خالفوا أصول الإسلام ، و هدموا أعمدةَ المِلَّة ، و هدُّوا بُنيانَ الدين ، و هذا الهذرُ منهم من أقبحِ ما يكون ، و من أفحشِ ما يصدرُ من العقلاء ، فأنى لهم بتلك الأحكام التي أصدروها ؟
رُبِّيَ كثيرٌ من الناسِ اليومَ على أن ما يقولُه أشياخهم هو الحقُّ الذي لا مريةَ فيه ، و أن ما تعلموه في مدارسهم ، و ما تلقوه في حِلَقِ الذكر هو الصوابُ الذي خلافهُ باطل _ يقيناً _ و هذا لا يجوزُ القولُ به ، و لا يتفوَّه به من في قلبهِ شيءٌ من الورع و الخوف من ربه _ تعالى _ ، لأن ذلك يلزمُ منه القولُ بالغيب و ادِّعاؤه و هذا أمره إلى الله _ تعالى _ ، و متى هذَّبَ المرءُ نفسه على الترفُّقِ بإصدار الأحكام ، و عدم إطلاقها فهو خيرٌ له و أزكى عند ربه و الناس .

المَعْلمُ الرابع: لا زالَ للشيخ قدرُه.
خطأُ العالمِ ليس سالباً منه مقامه في الإسلام ، ولا نافياً عنه منقبةَ الفضيلة و العالِمية ، و إنما يبقى عليه لباسها ، و يُحفظ له حقه في الإسلام .
قال الإمام الذهبي _ رحمه الله _ : و لو أن كلَّ مَن أخطأ في اجتهاده _ مع صحةِ إيمانه ، و تَوَخِّيْهِ لاتباع الحق _ أهدرناه و بدَّعناه ، لقلَّ من يسلمُ من الأئمة معنا ، رحمَ الله الجميعَ بمنه و كرمه . ا،هـ .
و لو نظرنا في كتبِ التراجُمِ لرأينا كثيراً من العلماء وَقَعَ في أخطاء كثيرةٍ لم يُسْقَطْ مقامهم بسببها ، و لم يُحذَّر الناس منهم لأخطائهم ، و إنما كانوا بين أنفسهم عقلاء ذوي محبةٍ وَ وِداد ، و ليتَ لنا مثلهم في هذا الزمان السيء .

المَعْلمُ الخامس: لعله وَ لعله .
سبقَ _ في المعلم الثاني _ أن بُغْيَةَ العالِم هو الحق ، و أن قصده الوصول إلى الصواب من الرأي ، و لكن يعتريه الخطأ ، و يزاولُه الزلل ، و الواجبُ هنا هو أن نعتذرَ له ، و نتأولُ خطأه باحثين عن مخرجٍ حسَنٍ لائقٍ به .
قال الإمام السُبْكي _ رحمه الله _ : فإذا كان الرجلُ مَشهوداً له بالإيمان و الاستقامة ، فلا ينبغي أن يُحملَ كلامه ، و ألفاظه و كتاباته على غير ما تُعُوِّدَ منه و من أمثاله ، بل ينبغي التأويل الصالح ، و حُسْنُ الظن الواجبِ به و بأمثاله . ا،هـ .
و يقولُ ابنُ النحاس _ رحمه الله _ : يجبُ أن يُتأوَّلَ للعلماء ، و لا يُتَأوَّلَ عليهم الخطأ العظيم ، إذا كان لما قالوه وَجه . ا،هـ .

المَعْلمُ السادس: تَجَنَّبْ زلة العالم .
إذا ثَبتَ لنا _ يقيناً _ أن العالمَ أخطأ في شيءٍ و لم يكُنْ ثَمَّةَ وَجهُ صِحةٍ يَعتذرُ له به فإنه لا يجوزُ لأحد أن يسلك طريقه في زلته ، للعلمِ بأنها زلةٌ و خطأٌ منه .
قال شيخ الإسلام _ رحمه الله _ : و ليس لأحد أن يتبعَ زلات العلماء ، كما ليس له أن يتكلمَ في أهل العلم و الإيمان بما هم ليسوا به بأهل ، … ، و هذا أمرٌ واجبٌ على المسلمين في كلِّ ما يُشْبِه هذا من الأمور . ا،هـ .

المَعْلمُ السابع: مُناصحةُ الشيخ .
إذا تمَّ كثيرٌ مما سبق _ من المعالم _ فإننا نسلُك درب المناصحة للشيخ بأدبٍ جَمٍّ ، و خُلُقٍ عظيمٍ ، دون تنقُصٍ و تعيير ، و دون إساءة أدبٍ .
ولابدَّ من مناصحةِ الشيخ في خطأه من لزوم أدبين :
الأول : مُلاطفةُ الشيخ في بيان الخطأ و الزلل ، فإن لها أثراً كبيراً في نفس الشيخ و قبوله لها ، و أثرٌ على الناصحِ حيثُ عرفَ للعلم قدره و مكانه .
قال الإمام ابنُ جماعة _ رحمه الله _ : و لا يقول لما رآه الشيخُ و كان خطأً : هذا خطأ ، و لا : هذا ليس برأي ، بل يُحسنُ خطابه في الرد إلى الصواب ، كقوله : يظهرُ أن المصلحةَ في كذا ، و لا يقول : الرأي عندي كذا ، و شِبْهَ ذلك . ا،هـ .
الثاني : الإسرارُ في النُصْح ، و أحقُّ الناسِ بإسرارِ النصحِ له هو العالم ، لأن في تشهيرِ النصح مفسدتين :
الأولى : إساءةُ أدبٍ معه ، و قد يكون الصوابُ حليفَه ، و _ أيضاً _ تهوينٌ لقدره عند العامةِ مما يُجرؤهم على انتقاصه و الإساءة إليه .
الثانية : تشهيرٌ للخطأ و الزلّة .

قاعدة : قال الحافظُ ابنُ رجبٍ _ رحمه الله _ : و المُنْكَرُ الذي يَجبُ إنكارُه : ما كان مُجْمَعاً عليه ، فأما المُخْتَلَفُ فيه فَمن أصحابنا من قال : لا يجبُ إنكارُه على مَنْ فعلَه مجتهداً فيه ، أو مُقَلِّداً مجتهداً تقليداً سائغاً . ا،هـ [ جامع العلوم و الحِكم 2/270 ، و انظر : شرح النووي على مسلم 2/23 ].
هذه معالمُ ذاتُ بالٍ ، لا يُسْتغنى عنها تُجاه زلةِ العالم و خطئه ، و مراعاتها من أهم المهمات على المسلم حيثُ بها : صيانةُ مقامِ الشريعة من تجرؤ السافلين على كبارها ، و محفظاً لقدرِ العالم و تقديراً له و تعظيماً بتعظيم الدين له .
و هي كما أنت راءٍ إنما هي من منثور كلام الأئمة الأعلام ، و الفضلاء الفقهاء تمَّ تقييدُها و رَصْفُها جمعاً لمتفرَّقها ، و لَمَّاً لشتاتها .

الاثنين _ 10/2/1424 هـ
الرياض

(] التَّصْحيحُ و التَّضْعيف [) (11)

دُوّنت من قبل عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق في التصنيف: مقالات وبتاريخ 24 مايو 2008 | تعليق واحد »

(] التَّصْحيحُ و التَّضْعيف [)

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

من الأمور التي عمَّتْ في هذا الزمان فتحُ باب ( التصحيح و التضعيف ) في الحديثِ لكلِّ أحدٍ من الناسِ ، دون مراعاةٍ لمقامِ التأهُّلِ مراعاةً صحيحةً وَفْقَ المنهاج المرسوم لدى أهلِ الفَنِّ .
فأنتَ راءٍ في الناسِ خللاً كبيراً في هذه المسألة ، و تُبْصِرُ وقوعهم في هوةٍ بعيدةِ القعر ، ذلك أن رأسَ هذا و ذاك هو عدمُ مراعاة أصولِ ( المُصحِّحِ و المُضَعِّفِ ) ، و الغفلةُ عن قواعد ذلك .
لذا لمَّا كان التصنيفُ وَقفَ العلماءُ على كتبٍ رَعوْها و فقهوها ، و عرفوا لأصحابها حقهم ، فصارَ التعويل عليها ، و ذلكَ لكونها كائنةً من أئمةٍ على مثلهم يُعتمَدُ في تحرير الأحكام على الأحاديث ، و ذوي أهليةٍ في ذلك ، و الاعتمادُ عليهم لذاك .
يقول الحافظُ ابنُ رجبٍ _ رحمه الله _ ” الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ” ( ص / 25 ) : … و أما سائرُ الناس : فيُعوِّلون على هذه الكتب المُشار إليها ، و يكتفون بالعزو إليها . أ.هـ .
و يقصدُ بالكتب : الكتب الستة .

فَعَمَدَ بعضٌ من الناس _ في الأزمان المتأخرة _ إلى إعمالِ أذهانهم إعمالَ الحفاظ الكبار ، فتعرَّضوا لدراسةِ الأسانيد ، و تحرير محلِّ النزاع في الرجال ، و التحقيق في دعوى العلل ، فصُحِّحَ الضعيفُ ، و ضُعِّفَ الصحيح ، و استُخْرِجَتْ صِحاحٌ بعد الصِّحاح ، و كثُرَ المُجتهدون في ذا الباب . معَ لحْظِ غِياب الأهلية و التمكُّن في الفن و أصوله .
و من أجلِ ذلك شدَّدَ العلماءُ في هذا الباب حتى ذموا الإمام الحاكم _ رحمه الله _ في تصنيفه ” المُسْتدرَك ” ، قال الحافظُ ابنُ رجبٍ الحنبلي _ يرحمه الله _ ” الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ” ( ص / 24 ) : و لهذا أنكرَ العلماءُ على مَن استدرَك عليهما _ أي : الصحيحين _ الكتابَ الذي سماه : المستدرك . أ.هـ .
و لقد كان صنيعُ الإمام ابن الصَّلاح _ رحمه الله _ حسناً في سدِّه باب التصحيح و التضعيف ، حيثُ قال ” المقدمة ” ( ص / 12 ) : تعذَّرَ في هذه الأعصار الاستقلالُ بإدراك الصحيح بمُجرَّدِ اعتبار الأسانيد ، لأنه ما مِنْ إسنادٍ من ذلك إلا و تجدُ في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عرِيَّاً عما يُشْترَطُ في الصحيح من الحفظ و الضبط و الإتقان ، فآلَ الأمرُ إذاً في معرفةِ الصحيح و الحسن إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمةُ الحديثِ في تصانيفهم المعتمدة المشهورة ، التي يُؤْمَنُ فيها _ لشهرتها _ من التغيير و التحريف .أ.هـ .
إلا أن كلامَ ابنِ الصلاحِ مُقَيَّدٌ فيمن ليس بذي أهليةٍ ، و أما المتأهِّلُ فليس مراداً بهذا الكلام ، قرَّرَه النووي في تقريبه ” تدريب الراوي “( 1/143 ) .
و غيرُ المتأهِّل لا يُقبَل كلامه ، و لا يُعوَّل عليه فيقول ابن رجبٍ _ يرحمه الله _ ” الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ” ( ص 25 ) : و لم يُقبل من أحدٍ بعد ذلك الصحيح و الضعيفُ إلا عمَّن اشتهرَ حِذْقُه و معرفته بهذا الفن و اطلاعه عليه ، و هم قليل جداً . أ.هـ .
و حيثُ أن الكلامَ دائرٌ على الأهلية في ذلك فلا بُدَّ من إيضاحٍ لتلك الأهلية على وجهِ إيجازٍ و استيفاءٍ للمقصود .

إنَّ المُتأهِّلَ الذي يُعْتَمَدُ على حكمه في الحديث هو مَنْ توفرتْ فيه شروط الاجتهاد ، هذا من حيثُ كونُه مُسْتقِلاًّ بالحكم ، و شروط الاجتهاد هي :
1. معرفةُ الكتاب ، و المُرادُ : إدراك آيات الكتاب ، و الإلمامُ بمعانيها ، و المُتَعَيِّنُ آيات الأحكام .
انظر : ” المُستصفى ” ( 2/350 ) ، ” المحصول” (2/33 ) ، ” البحر المحيط ” (6/199 ) .
2. معرفةُ السنة ، كالسابق في حدِّ المُراد .
انظر : ” البحر المحيط ” ( 6/200 ) .
3. معرفة اللغة العربية ، و المُشْترَطُ العلمُ بما يتعلَّقُ بنصوص الأحكام .
قال الطُّوْفي _ يرحمه الله _ ” شرْح مختصر الروضة ” ( 3/581 ) : و يُشترَط أن يعرف من النحو و اللغة ما يكفيه في معرفة في معرفة ما يتعلَّق بالكتاب و السنة مِنْ : نصٍّ ، و ظاهرٍ و مجمَلٍ ، و حقيقةٍ و مجازٍ ، و عامٍ و خاص ، و مُطْلَقٍ و مقيَّدٍ ، و دليل الخطاب و نحوه كـ : فحوى الخطاب ، و لحنه ، و مفهومه ، لأن بعضَ الأحكام يتعلَّق بذلك و يتوقَّف عليه توقفاً ضرورياً . ا،هـ .
انظر : ” البحر المحيط ” ( 6/202 ) ، ” التحبير ” ( 8/3875 ) .
4. معرفة مواقع الأجماع ، و ذلك لأمرين :
أ _ التحرُّز من القول بما يُخالفه ، و يُلْحق بذلك : إحداثُ قولٍ ثالث .
ب _ التحرُّز من القول بالخلاف أو القول المهجور المتروك .
انظر : ” المستصفى ” ( 2/351 ) ، ” البحر المحيط ” ( 6/201 ) .
فائدة : قال الإمامُ الزركشي _ يرحمه الله _ ” البحر المحيط ” ( 6/201 ) : و لابُدَّ معَ ذلك أن يعرفَ الاختلاف . أ.هـ .
5. معرفة الناسخ و المنسوخ ، حتى لا يستدل بنصٍّ منسوخ .
انظر : ” البحر المحيط ” ( 6/203 ) ، ” التحبير ” ( 8/3873 ) .
6. معرفةُ أصول الجرح و التعديل .
قال المرْداوي _ يرحمه الله _ ” التحبير ” ( 8/3875 ) : لكنْ يكفي التعويلُ في هذه الأمور كلها في هذه الأزمنة على كلام أئمة الحديث كأحمد ، و البخاري ، و مسلم ، و أبي داود ، و الدارقُطْني ، و نحوهم ؛ لأنهم أهل المعرفة بذلك ، فجازَ الأخذ بقولهم كما نأخذ بقولِ المُقَيِّمين في القيم . أ.هـ.
انظر : ” البحر المحيط ” ( 6/203 ) ، ” التحبير ” ( 8/3875 ) .
7. معرفة أصول الفقه .
انظر : ” المحصول ” ( 2/36 ) ، ” إرشاد الفحول ” ( ص / 234 ) ، ” التحبير ” ( 8/3870 ) .

فائدتان مُتَمِّمَتان :
الأوْلى : قال الصَيْرَفي _ يرحمه الله _ : و مَنْ عرَفَ هذه العلوم فهو في المرتبة العليا ، و من قَصر عنه فمقدارُه ما أحسن ، و لن يجوز أن يُحيطَ بجميع هذه العلوم أحدٌ غير النبي _ صلى الله عليه وسلم _ و هو مُتفرِّقٌ في جملتهم .
و الغرضُ الّلازم مِن علمِ وصفت ما لا يقدرُ العبد بترك فعله ، و كلما ازداد علماً ازداد منـزلةً. قال _ تعالى _ : { و فَوْقَ كلِّ ذيْ علمٍ عليمٍ } . أ.هـ ” البحرُ المحيط ” ( 6/203 ) .
الثانية : قال الشوكاني _ يرحمه الله _ : و منْ جعل المقدار المُحتاجَ إليه من هذه الفنون هو معرفةُ مُختصَرَاتُها ، أو كتابٍ متوسِّطٍ من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعدَ ، بل الاستكثارُ من الممارسة لها و التوسع في الإطلاع على مطولاتها مما يزيد المجتهد قوةً في البحثِ ، و بصراً في الاستخراج ، و بصيرةً في حصول مطلوبه .
و الحاصلُ : أنَّه لابُدَّ أن تَثْبُتَ له الملَكَةُ القوية في هذه العلوم ، و إنما تثْبُتُ هذه الملَكَةُ بطولِ المُمَارَسة ، و كثرة المُلازمة لشيوخ هذا الفن . أ.هـ ” إرشاد الفحول ” ( ص / 234 ).
و بعدَ ذكرِ هذه الشروط المُؤَهِّلَةِ للتصدُّر للاستنباط في الشريعة نعرِفُ عِظَمَ الأمر ، و خطورة الإقدام على مثل هذا .
و المُتصدِّرُ للحكمِ على الأحاديث _ صحةً و ضعفاً _ في هذا الزمان هو ممن لم يتوفر فيه القدرُ الواجب في واحدٍ من هذه الشروط _ فضلاً عن كمالِه و تمامه _ ، و الميزانُ ظاهرٌ و الأعمال منشورة .

و هذه الشروط تتعلَّقُ بِمَنْ تصدَّرَ للحكم استقلالاً دون تبعيةٍ لأحدٍ من العلماء المُتَّبَعِيْن ، و أما من يتَّبِعُ غيرَه في الحكم فهذا له ما يُحْكِمُهُ ، و ذلك من خلال ما يلي :
1) أن يكون القول و الحكم المأخوذ معمولاً به محفوظاً عند أهل الفن ، فإنه قد تَرِدُ و تُذكرُ أحكامٌ ، و قواعد على بعض المسائل في التصحيح و التضعيف لكنها لا تعدوْ أن تكونَ غيرَ مُعوَّلٍ عليها عند المحققين من المحدثين ، لأنه ما مِن ريبٍ أن المحققين من المحدثين ممن تأخرَ قد اطَّلَعوا على ما نُقِلَ عن السابقين فسبروا ذلك و حققوه ، و أثبتوا ما عليه التعويلُ و الاعتماد .
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ _ يرحمه الله _ ” النكت ” ( 2/726 ) : و بهذا التقرير يَبِيْنُ عِظَمُ كلامِ المتقدمين ، و شدة فحصهم ، و قوة بحثهم ، و صحة نظرِهم ، و تقدُّمهم بما يُوْجِبُ المصيرَ إلى تقليدهم في ذلك ، و التسليم لهم فيه . أ.هـ .
و كلامُ الحافظ _ هذا _ يُفِيْدنا فائدتين :
الأولى : أنه سبَر كلام المتقدمين في المصطلح و أصول الحديث .
الثانية : أنه اعتمد ما هو محفوظٌ معمولٌ به لدى أهل الفن ، فلمْ يكن التعويل على قولٍ لم يُوافقْ عليه قائلُه ، أو شذَّ به عن جادة الصواب . فتنَبَّه .
2) أن يكون الاعتماد على المُعْتَمَدُ من روايةٍ عن الحافظ ، و من نسخةٍ معتمدة لتلك الرواية المُعتمدة ، فعندنا شيئان :
الأول : روايةٌ معتمدةٌ .
الثاني : نسخةٌ معتمدةٌ .
فإن الرواياتِ للكتبِ منها ما هو معتمَدٌ و منها ما ليس بذاك ، فكان المُعوَّلُ على المُعتمد لازماً ، كذلك نُسخُ تلك الروايات شأنها شأن الروايات سواءً .
و في هذا يقول الحافظ العراقي _ يرحمه الله _ في ألفيته :

و أخذُ متْنٍ لكتابٍ لِعمل *** أو احتجاجٍ حيثُ ساغَ قد جُعِل
عرْضاً له على أُصُولٍ يُشترَط *** و قال يحي النووي : أصلٌ فقط

قال السَّخاوي _ يرحمه الله _ ” فتح المُغيث ” ( 1/86_96 ) : إذ الأصلُ الصحيحُ تحصُلُ به الثقةُ التي مدارُ الاعتماد عليها صحةً أو احتجاجاً . أ.هـ .
ثمَّ بعد هذا كلِّه يتضِّحُ لكل ذي عينين عدمُ توفُّرِ هذه الأشياء في كثيرٍ ممن تصدَّى لمهمة التصحيح و التضعيف ، و الأدهى أن بُنِيَتْ على أحكامهم أحكامٌ شرعية ، و أُظْهِرَتْ أحكامٌ ، و غير ذلك من ويلاتٍ و بلياتٍ .
فلزومُ الجادةِ التي سار عليها أهل التحقيق في الفن أسلمُ من التصدِّي لِماَ ليس للمرءِ فيه طرفٌ صالح ، و الحمدُ لله أن الحالَ في سلوكهم سبيلُ استقامةٍ و فلاحٍ و ظَفَرٍ .
و الله المُوفِّقُ لا ربَّ سواه ، و صلى الله و سلَّم على سيدنا محمد و على آله و صحبه .

حرَّرَها
عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق
19/8/1424هـ

« تدوينات سابقة


  • التصنيفات

    • أدبيات (4)
    • تنمية (4)
    • خواطر (16)
    • لقاءات (1)
    • مقالات (15)
  • الأرشيف

    • يونيو 2008
    • مايو 2008
    • مارس 2008
    • فبراير 2008
  • آخر التدوينات

    • {] ضفة البحر [} (16)‎
    • {] زِنةُ التَّحْشِيَة [} (15)
    • {] الحرفُ .. حنينٌ و أنينٌ [} (15)‎
    • {] فضلُ الإسلام [} (14)
    • {] الكَتَبَةُ [} (14)
  • منوعات

    • دخول
    • خلاصة التدوينات RSS
    • خلاصة التعليقات RSS


جميع الحقوق محفوظة لموقع عبدالله بن سُلَيْمان العُتَيِّق