بوحة الفكر

| الإصلاح |

يَكثر في كلِّ زمانٍ مَن يُنادي بالإصلاح، رافضاً ما عليه الناس آنذاك، داعياً إلى ما يراه هو الأنسب و الأصلح، و الناسُ في ذلك مختلفون، فمنهم مَن هو على سواءٍ، و منهم من هو إلى غير سواء، و هذه حالة لا يخلو منها زمان أو مكان، ذلك أن كلَّ زمانٍ لا يكاد يكون سالماً من السوء و الخلل، و لا يكاد أهله يُقاربون الصواب فيما يسلكون في حياتهم.

الإصلاح في الأصل وظيفة لا يقوم بها إلا أشراف الناس، و العظماء من أهل كل زمان، يَنفون به الخلل الواقع في الناس، و يُلبسون زمانهم و أهله من حُللِ الكمال، لذا لم يَكن منسوباً إليه إلا النُخبة، و لم يخلُد من المصلحين إلا نُخبة النُخبة، مما يُثبتُ يقيناً أنه لا يَجدُرُ إلا بالشرفاء من الناس، الذين شرفوا ذاتاً و أفعالاً و مقاصدَ.

الإصلاح بهذه الصورة المرسومة، إصلاحٌ شريف، كان يجب أن يكون كذلك كل مُصلِح يدعو إليه، إلا أن ذلك لم يَدُم، إذ دخَلَ الإصلاحَ خللٌ لم يُبْقِ فيه شيئاً من بريق نزاهته، فساءَ بسوءِ الزاعمين للإصلاح، و هذا السوء بيِّنٌ في كثير من الدعوات إلى الإصلاح، خاصةً تلك التي انحرفَتْ عن مقصد الإصلاح الحقيقي، أو عن مقصد المُصلح الذي نادى إليه أولَ أمره.

يسقط شرفُ الإصلاح بسقوط عمل المُصلح عن رُتبةِ قصد الإصلاح، فيفسُد سلوكه لأجل الإصلاح، فيفسُد بذلك كلُّ تحرُّكٍ يقوم به، فالعملُ إن لم يكن موافقاً للقصْد الذي لأجله كان الإصلاح، فكلُّ تصرُّفٍ من مُصلِحٍ، أو من أتباعه، خالفَ القصْد الذي تأسَّسَتْ عليه حركته الإصلاحية سيفسد كمالها و يُلْحِقُ بها النقصَ.

إن كثيراً من الدعوات الإصلاحية لا تدوم، لا لشيءٍ في مقاصدها، و إنما لأن أصحابها، المؤسسين لها أو المناصرين لها، ساروا خلافَ ما تأسست عليه الحركة الإصلاحية. و لو سبرَ التاريخ سابرٌ لرأى نماذج من هذه كثيرة، و لا تنجح حركة إصلاحية إلا إذا صدقَ سلوك أصحابها في الموافقة لمقاصدها، ولو كانت غيرَ مُصيبةٍ، أو كانت خاطئة.

الإصلاح أول ما يبدو أثره على صاحبه، فإن لم يكن بادياً عليه، و كان صاحبه مخالفاً في أفعالِهِ و أقوالِه دعوته للإصلاح كان سقوطه من عين نفسه قبل عين غيره، ككلِّ وظيفةٍ شريفة، فإنَّ الإصلاحَ لا يقبَلُ أن يسلُكَ التوفيقُ و الدوامُ عملَ دَعِيٍّ متزيِّنٍ به، فيُسقِطُه عند أول امتحانٍ لشرفِ الالتزام بمبدأ الإصلاح.

إن المصلح يحمل أمانة كبيرةً لا يُعذر بالتفريط فيها، أو بها، مهما كانت أعذاره، و لو صحَّتْ له الأعذار فإنَّ شرفَ الإصلاحِ الذي يدعو إليه يجعله غيرَ مُلتمِسٍ أيَّ عذرٍ للإخلال بقصده، إذ لا يقوم الإصلاحُ في نفسِ أحدٍ، و لا يدعو إليه أحدٌ، إلا و هناك تأهُّلٌ كبيرٌ، و هناك تناسُبٌ قويٌّ بينهما، عدم استبانة ذلك يعود إلى خلل الإنسان، و إلا فالفضائل لا يطرأ عليها الخللُ من ذاتها.

الإصلاحُ ليس عمليةً، و ليس وظيفةً، متعلقةً بنوعٍ من الناس، و لا بفكرٍ معيَّنٍ، و لا بدينٍ أو عِرْقٍ، إنما هو عمليةٌ تقومُ بمجتمَعٍ، و وظيفة يقومُ بها مَن يشعُر بأنَّ مجتمَعه يحتاج إلى شيءٍ من الإصلاح، لذلك فالإصلاحُ قائمٌ أولَ شيءٍ على ما يحتاجُه المجتمع، على ضروريات الناس، لا على ما يرغبُ به المُصلح، و لو اشتغل المُصلِحُ بما يرغبُ به لم يُحقِّقْ شيئاً، و كان كـ ” المُنْبَتِّ لا ظهْراً أبقى و لا أرضاً قَطَعَ “، إذ رغباتُ المُصلح لا تتحقَّقُ له إلا بعد أن يقوم بما يحتاجه الناس، و كلُّ إصلاح قام على رغبات أصحابه دون اهتمام بحاجات الناس و المجتمع سينكشفُ عنه القناعُ يوماً أشدَّ ما يكون أصحابه في حاجة إلى الأقنعة.

مما أفسدَ الإصلاحَ دخولُ الكثيرين ممن لا يؤمنون بالإصلاح، أو لا يعرفون ما هو، و التحاقُ الأكثرين به و هم لا يعلمون عنه شيئاً، و إنما سمعوا به فنادوا به و إليه، و سَعوا إليه بما يملكون، ربما لأنهم وجدوا فيه الكثيرَ مما فقدوه من أنفسهم، و إما لأنهم قلَّدوا عقولهم غيرَهم، و هذا أكثر ما يصيبُ الإصلاحَ الحقيقي بالخيبات، و يسلُبُه شرعية الوجود.

إنَّ الإصلاحَ الذي يجعلُ المُصلِحَ سيئاً في تعامله مع مخالفيه هو إصلاحٌ فاسد، إصلاحٌ لم يُقصَدْ به الإصلاح، و إنما قُصِدَ به الامتلاء بالمظهرية الشَّكلية، و قُصِد به التباهي و التميُّزُ بالضوءِ الآيل إلى الخفوت، فأولُ مقامات الصادقِ في عمليته الإصلاحية هو تعامله مع المخالفين له، و لا يكون ذلك إلا عندما يؤمن بأن ما يدعو إليه ليس مما سيُجمِعُ عليه كلُّ الناس، و لا مما سيتفقُ مع كلُّ أنواعِ البشر، فما من إصلاحٍ هو صوابٌ تمامَ الإصابة، إذ كلُّ إصلاحٍ يعتريه من الخطأ أكثر من الصواب.

عندما لا يكون الإصلاحُ مُهذِّباً المُصلِحَ، و و لا يكون جاعلَه على حُسْنِ السلوكِ مع الخصوم و المخالفين فإنه لا يكون كذلك مع الموافقين، لأنَّ مَن لم يصلُحْ تعاملُه مع خصمه لا يصلُحُ مع موافقِه.

على المُصلِح، و أتباعه، البحث و التفتيش عن الخلل الذي يجعلُ الناسَ يقفون موقفَ المخالفة و الانتقاد لحركتهم و عمليتهم الإصلاحية، فالإصلاحُ للذاتِ أهم من الإصلاح للغير، و لا يفهم ذلك إلا ذو قصد نبيلٍ في الإصلاح، لذا كان الإصلاحُ الخالدُ هو الذي يُديمُ هضمَ ذاته قبلَ غيره، و يسعى لإكمالِ نفسه قبل سَعيه لإكمال غيره، يُدرِكُ سِرَّ ذلك الفُطناءُ فحسْب، و ليس كل مُصلِحٍ فَطين.

الإصلاحُ المحمود، الشريفُ السامي، هو الذي يبنيه صاحبه على البراهين و الحُجج، لا على رموزٍ من الناسِ يعتمدها كُلاً و تماماً في كلِّ شيءٍ يصدُرُ منهم، و إن اعتمدَهم فإنَّه يعتمدهم أمثلةً و نماذجَ، لا يعتمدهم أُصولاً يُحاكم إليه و إليه يرجع، و عندما يكون الإصلاحُ قائماً على البراهين و سُننِ الإصلاح، و سننُ الإصلاحِ كونية، فإنَّه سيكون قابلاً وجودَ غيرِه معه في تحقيق مقاصِد الإصلاح، و إن لم يكن ثمَّةَ توافُقٌ كُلِّيٌّ، لذلك ليس مًصْلِحاً مَن يؤمن بقاعدة ” ما أُوريكم إلا ما أرى “، و لا من يسلُك نظام ” إنَّا وجدنا آباءنا على أُمةٍ “، و إنما المُصلحُ من يسلُكُ نهْج ” الذين يستمعون القولَ فيتبِّعون أحسنَ “.

لن يخلُدَ إصلاحٌ، و بالتَّبَعِ المُصلِحُ، لم يُسلَك به مسالك الصدق و النقاء، و لم يَكن على منهاج الكمال الإنساني، و لو كان إصلاحاً مدعوماً بكلِّ دعائم الحقِّ و الصواب، فأصلُ الإصلاحِ هو الصدق، و الصدقُ اسمٌ لفضيلةٍ تجمعُ كلَّ كمالٍ، دقيقٍ و جليلٍ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى