بوحة الفكر

الإنسان بين النقطة (.) و الصفر (0)

الحياة رموز، كثيراً هي كذلك، لكننا لا نستوعب تلك الرموز فيها إلا من خلال ما نُدركه بالحواسِّ التي يتكوَّن منها كياننا الإنساني.

و كثيرٌ منَّا من هو كتلك الرموز، إن لم يكن هو مصدر الرموز، فلا نفهم منه شيئاً عن حياته إلا من خلال أشياءَ تحوم حوله، و أحداثٍ يعيشها، و نهاياتٍ لأفعاله، هي نتائج.

من الرموز التي لا تكاد تغيب في كتاباتنا، و الإنسان كتابٌ كاملٌ، لا يزال دائم الإضافة عليه حتى ينتهي عُمُرُه، و ربما استمرَّت الإضافة عليه من آخرين، من رموز السطور، و الإنسان سطرٌ في هذا الوجود، فإما أنه سطرٌ مليءٌ بالمنفعة، و إما أنه سطرٌ خالٍ كالزبد يذهب جفاءً.

هناك رمزان يُعبران كثيراً عن حال الإنسان في حياته، أحدهما علامة ترقيم، و الآخر رقْمٌ، و الإنسان بينهما مرةً و مراتٍ، و هو إلى أغلبهما على حياته، فإما أن يكون علامةً ترْقيميَّةً كالنُقطة (.) التي تُنهي كلَّ شيءٍ، فيقفُ الإنسان عندَ سطْرٍ من حياته، و يتجاوزه إلى سطرٍ آخر، أو ينتهي إليه فيُغلق كتابَ نفسه، فينتهي مشروع الإضافة.

النُّقطة (.) هي حال كثير من الناس، و هي لا بُد منها، و لكنها غالباً ما تكون في غير محلِّها المناسب، و تفقد وظيفتها التي وُضعت لأجلها، فينتهي الإنسان بنقطته إلى غير إفادة، فلا يعرف ماذا يريد، و لا يُدرك مُبتغاه، فيكون واقفاً طويلاً، لأنه لا يعرف ماذا سيضع في السطر التالي، لأنه لم يُنْهِ سطرَه بجملة مفيدة.

و إما أن يكونَ رقْماً غيرَ مأبوهٍ به كالصفر (0)، الذي لا يستغني عنه رقمٌ، و قيمته في كلِّ شيءٍ، في أعين الناس، لكنه في عين نفسه هو كل شيءٍ، فلولاه ما ارتفعت الأرقام، و لولا وجودُه ما جرى التواصل بين الناس، فهو بدْءُ الأرقام، و الناس لا يعلمون.

هذا الصفر (0) مثله من الناس قليلون، أولئك الذين يُحدِثون الفارق حينما يُوجدون في مكانٍ مَّا، لا نهايةَ لارتقائهم و عطائهم، و كلما ازداد وجودهم كان الارتقاءُ أكثر.

يكون الإنسان النقطةَ (.) حينما لا يعرف من هو، و لا يدري أين مسيره، فكل الطرُق تؤدي إلى روما عنده، و كل شيءٍ هو روما. و يكون الإنسانُ الصفرَ (0) حينما يعرف أنه شيئٌ لا مثيل له في الحياة، و أنه شيءٌ لا يُستغنى عنه، و أنه شيءٌ لا ينتهي عطاؤه، فهو الإنسانُ المحيط المليءُ بأسرار المجهول، و أما النقطة فهي رأس القلم حينما تجمُد فلا تتجاوزُ ذاتها، و لا ظلَّ لها حتى تطمح إلى مجاوزته.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى