بوحة الفكر

العلوم الإنسانية و الحضور الديني

“إنما بُعثْتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق”
حديث نبوي

يتوارثُ الإنسان عبر تطوره و تنقله في الأزمان و الأماكن الكثير من تعاليم الحياة، و التي هي خليط من الصالح و الفاسد، ومن الخير و الشر، ومن النافع و الضار، يُدرك ذلك من خلال التجارب ومن خلال الآثار الناتجة عن ممارستها.

تلك التجارب و الآثار تعطي الإنسان رؤيةً أعمق في تقييم هذه الموروثات، و مدى قيمتها في الوجود الإنساني، و تعطيه تقنيناً دقيقاً، غالباً، لممارستها في الحضور التعاملي التعايشي في الحياة.

توارث الإنسان ذلك كله، من أساسه و أصله، و وظف ذلك فيما ناسبَ وقته و مجتمعه و حاله، فليست أشياءَ لازمةَ التطبيق تماماً، حذْواً بحذْوٍ، و إنما يُؤتى بتطبيقها حسْبَ المواكبة و المناسبة. لذلك كان المجتمعُ و البيئة مرجعاً لصحة تلك الموروثات.

حضرَ العقلُ كثيراً في تلك الموروثات ففلسفها، و استنبط حكمتها، و استخرج منها أسرارها، و بيَّن نتائجها بياناً يؤدي إلى الفعل أو الترك لها. في حضور العقل كان الحال في تلك الموروثات أشبَه التمامَ و الاكتمال، من حيث القيمة، فضيلةً أو رذيلةً، حسنةً أو قبيحةً، نافعةً أو ضارةً، صالحةً أو فاسدةً، و لم يحتج الإنسانُ بعد إلى ميزان مُقيِّمٍ لموروثاته.

الحضور الديني كان له أثره الكبير، من ناحية الإقرار و الإثبات، و من ناحية الرفض و النفي، حسبما تقتضيه حكمة الدين، فكان حضور الدين توجيهياً تكميلياً، و نادراً ما كانت الأديان حاضرةً في الموروثاتِ تأصيلاً و تأسيساً، فكل ما يتعلق بالإنسان من علوم ومعارف التعايش و التعامل مع الحياة كان من الإنسان نفسه، و الإنسان كان قبل الأديان، وأسبقيته لها يكون قد أسس ما يناسب تعايشه، فما كان حضور الأديان إلا رسماً للمنهج الأصلح، و النظام الأسلم الذي به حفظ حقوق أكثر للإنسان، من ناحية الثواب و العقاب.

قلب الحضور الديني في علوم حال الإنسان إلى أنه حضور تأسيسي مما بدا ظاهرا لدى الكثيرين من المنتسبين للأديان، فصاروا في حالةٍ من لَيٍّ لأمور و أحكام الأديان لتكون متوافقةً مع حالة التأصيل لتلك العلوم، فتكلَّف الدينيون الكثير من أجل هذا الشيء، راغبين في أن يجعلوا للأديان الحضورين، التأصيلي و التكميلي، و ليس في الظفر بأحد الحضورين نقص، فكلاهما حضور شريف، و في اعتبار الأديان كان حضورها تكميليا لا يعني ذلك أنها ناقصة، بل يعني أنها قامت بدور المراقبة و الإرشاد، فكان حضورها هو التقييم و الوزْن الأكبر.

في قراءات لعلم النفس، و علوم الإنسان الأخرى، نجد الدور الديني يتميز بشيء من الشكلية أكثر من التميز الجوهري، فهو يهتم في جلْبِ نصوص الأديان التي يُعتقد أنها أساس النظريات العلمية، و يأخذ هذا جانبا كبيرا من الجهد البحثي و الفكري لدى الباحثين، في حين أنهم لو أخذوا هذه العلوم الإنسانية ووظفوها في خدمة الأديان لكان أنفع لهم و للأديان، و لكنَّ هذا ليس عيباً في الأديان، فالأديان لم تأتِ في المطالبة بتقنين العلوم و تأصيلها شرعيتها بقدر ما أتتْ في توظيفها و تطبيقها في خدمة الحياة و الإنسان.

قد يؤدي هذا الاهتمام في إثبات الحضور الديني لتأصيل التأسيس لعلوم الإنسان إلى نتيجة و تحليل سيءٍ، و هو أن الدينيين يشعرون بأن أديانهم يعتريها النقص إذا لم تكن المتقدمة في كل شيء في الحياة، و حينما نصل إلى هذه النتيجة فإن هذا يعني أن الدينيين يفقدون الثقة بأديانهم، و أديانهم بريئة من هذا، و أعني الأديان السماوية الإلهية، مع أن أغلبَ الدينيين يقومون بذلك ليس من هذا المنطلق، و إنما من منطلقِ إثبات أن الأديان لم تهمل هذا الشيء، و أن فيها شمولاً، و هذا حسنٌ، و لكنَّ ذلك أيضاً يبقى في حيِّز أنه شيءٌ ثانٍ و ليسَ أولاً، فالحيِّزُ الأولُ هو التوظيف لتلك العلوم في بناء الحياة و عمارة الأرض، لذلك كانت حالةُ النبي محمد صلى الله عليه و سلم أنه مبعوث لإتمام و إكمال مكارم الأخلاق، فلم يأتِ للتأسيس، و إن كان أسس قيَماً كثيرةً، فإذا كان هذا في الأخلاق، و الأخلاق علمٌ إنساني، فيُطبق هذا على بقية العلوم الإنسانية.

الحضور الديني مهم في الكثير من علوم الإنسان، و لكنه حضور بحسب الحاجة، و ليس حضوراً للتغطية الشاملة لكل جوانب العلوم الإنسانية، فالدين شيءٌ من ثقافة الإنسان و علومه، و لكل ثقافة و علمٍ قدرٌ مناسب، لا زيادة و لا نقص.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى