مقالاتٌ

النَّسَوِيَّات

هذا المصطلَح كثُرَ في المجتمع، وتناولَه طرفَان، أحدُهما مُبْطِلٌ والآخَرُ مُحِقٌّ، وطُرِدَ حُكْمُ المُبْطِلِ على المُحِقِّ حتَّى جُعلا شيئًا واحدًا، وهذا فيه من الإحجافِ وعدم الإنصافِ ما لا يخفى على العاقل.
الطرَفُ المُحقُّ، هنَّ فئةٌ من النساءِ سَعَيْنَ إلى المطالبَةِ بحقوقهنَّ التي سُلِبَتْ منهنَّ، مما استقرَّ في الشرْعِ بيانُه وبُرهانُه، وطُمِسَ أو غُيِّبَ بسببِ نزْعةِ ذكوريةٍ آمَنَت بشيءٍ من الشرْعِ يروقُ لها، فتعامَلَتْ مع المرأةِ تعامُلًا يرفُضُه الدينُ تمامًا، فلا احترامَ ولا أداء لواجباتِ، ولا اعتبارَ لميثاقِ العلاقة بينهم وبين المرأة، وأولاءِ النِّسْوَةِ أرَدْنَ أن يُعِدْنَ البَوصَلةَ إلى وجهها الصحيح، فلا انحرافَ عن الجادة، على ما تقرر في الشرع.
لكنَّهُنَّ ظُلِمْنَ وأُوْذِيْنَ بأنَّهُنَّ صُنِّفْنَ من:
الطرَفِ المُبْطِلِ، وهنَّ فئةٌ من النساءِ لم يُطالِبْنَ بحقوقهنَّ، بل تمرَّدْنَ -دينينًا واجتماعيًا، أدبًا وسلوكًا وقِيَمًا-وخرَجْنَ عن النظام الديني، وعمَّا قرَّرَه النظام في البلادِ، فتجرَّأْنَ على مُسلَّماتٍ فنَقَضْنَها، وأَتَيْنَ على أُصولٍ فَهَدَمْنَهَا، فتجرَّأْنَ على الأحكام الشرعية، وتناوَلْنَ نُصوصًا تناوُلًا فاسدًا، وهنَّ قد أُوْتِيْنَ من جهلهنَّ وعدم علمهنَّ، ولو عَلِمْنَ لَلِزِمْنَ السكوتَ.
سَعَيْنَ إلى الاستقلالِ بأنْفُسِهنَّ عن المجتمعِ، وأرَدْنَ أن يكونَ لهنَّ مَسارٌ خاص، زاعماتٍ بأنَّهن سُلِبْنَ حُرِّيَتَهنَّ سَلبًا تامًّا، حتى اعتقدْنَ أن ما يفعله الذكور -لا الرجال-هو من أمر الدين، وهنَّ مأْتِيَّاتٌ من جهلهنَّ وسوءِ فَهْمِهنَّ للدين، ولو فَحَصْنَ النظرَ في تقريرِ الدينِ لأصلِ التعاملِ والعلاقةِ لرَأَيْنَ أنه لم يَظْلِمهنَّ بشيءٍ.
هذا الطرف الثاني له دورٌ كبيرٌ في الإفسادِ على الأول، والعَجَبُ أنَّ من النساءِ مَن تنزِعُ نزعةَ الذكورِ تجاهَ النساء، فتمنعَ ذواتِ الطرفِ المُحِقِّ من الحقِّ، لجهلهنَّ، أو لعلمنهنَّ وسوءِ مقاصدهنَّ، وهنا يُعلم أن رجالًا دخلوا في كلا الطرفين، ولهم دورٌ في الإصلاحِ والإفساد.

إنَّ المطالبَةَ بالحقوقِ لا تعني المجاوزة والتمرُّد، ولا تعني تناوُلَ الأمورِ تناولًا معزولًا عن الوعي والعلم، فالنتيجةُ ستكونُ يقينًا سيئةً، فهذا الطرَفُ المُبْطِلُ عادَ بالأثَرِ على الطرَفِ المُحِقِّ، والمُحِقُّ لا يَشُوبُه خلَلٌ فيما سَعى إليه، فالشرْعُ قرَّرَ للنساءِ حقوقًا، وهنَّ وصيةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلمَ عند موتِه، وعنايتُه بهنَّ لا تخفى على لبيبٍ، إلا أنَّ فئةً ممن تناولوا أمور الدينِ، وكان لعاداتِ المجتمعِ الذي أعلى الذكورَ=لهم موقفٌ من حقوقِ المرأة، هذا الموقفُ تجلَّى في أنهم ستروا بعضَ حقوقِها، وأظهروا النصوص والأحكام التي تتعلَّق بالمرأةِ تجاهَهم، وهم بذلك داخلون في تحريفِ الدين والعبثِ به، رَضَوا أم أبَوا، ولا فرْقَ في ذلك بينَ من شُهِرَ بعلمٍ أو غيرِه، فالحكمُ للشرْعِ، وتحتَ نصِّ الشرْعِ كل منتَسِبٍ إليه.
ولا يَعني الاعترافُ بحقِّ المرأة، وتأييدها لأن تُطالبَ به أن تخرُجَ عن حُكْمٍ وضَعه الشارعُ لها أو عليها، فكما عليها في الشرْعِ شيءٌ فإنَّ لها فيه شيءٌ، تمامًا كالرّجُلِ، والله يقولُ {ولَهُنَّ مِثْلُ الذي عليهنَّ}، ولكلٍّ حقوقُه، فمتى أُخِلَّ بالحقوقِ اُخِلَّ بالواجباتِ، وغابَ التوازُنُ، وحدَثَ الشَّرْخُ، وانصَدَع جدارُ العلاقاتِ بين الطرفين.
إنَّ الذي يَظهرُ في الساحةِ هو خلْطُ حقٍّ بباطلٍ، صوابٍ بخطأ، جميلٍ بقبيحٍ، ومعالَجَةُ ذلك بالعدْلِ لا بسواه، ومراعاةُ الأحكام العادلة والآدابِ الكاملة مما يَضْمَنُ الحقوقَ لأهلها، ويجعلُ كلَّ أحدٍ مُراقَبًا من ضميرِهِ الذي فيه، ومعالجة ذلك بالطريقةِ الهَوْجاءِ والأساليبِ العَوْجاءِ سينتهي إلى ما لا يُحْمَد، لا على الأفرادِ، بل على المجتمعاتِ كاملةً، وهذا ما لا تَعِيْهِ مجموعاتٌ من الطرَفِ المُبْطِل، ولعلَّهنَّ يُدْرِكْنَ، وهو غايةٌ لهنَّ.
على أن العدْلَ يجبُ علينا ألا نحكمَ على أحدٍ بأنها من الطرفِ الثاني ما لم نتبَيَّن، فليست المطالبَةُ بالحقوقِ التي أقرَّها الشرعُ والنظامُ تعني أنَّ المُطالِبَاتِ ساعياتٍ إلى فسادٍ، فليسَ أشدَّ جُرْمًا ممنْ حكمَ فأَعَمَّ، فالتَّبِعَةُ كبيرةٌ، والمَغَبَّةُ خطيرةٌ، والإنسانُ قلَّ أنْ يَعِيَ.
وهنا يُعْلَم أمرانِ يُنَبَّهُ إليهما:
الأولُ: للمرأةِ مقامانِ، هما في كلِّ أمةٍ سَويَّةٍ:
أولهما: مقامها في بيتِ أبيها.
ثانيهما: مقامها في بيت زوجها، ولها في كلا المقامين حقوقٌ تُرْعَى، وعليها واجباتٌ تُؤَدَّى، فهيَ في حُكمِ ورعايةِ وولايةِ صاحبِ المقام الذي هي فيه، فلزومها لما عليها ضامنٌ لها ما لها، وهذا شيءٌ تقرَّرَ وتحرَّرَ في مدوَّناتِ الشريعةِ والنظام، وكلٌّ بقيودِهِ وضوابطِهِ، وهذا يدعونا إلى التنبيه:
الثاني: وهو أن الشريعةَ جاءَت بالعدلِ، فأعطَت كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، والفقهاءُ خاصَّةً رَعُوا ذلك، وما ذكروه من مسائلَ تتعلَّقُ بالمرأةِ مما يُرى أنَّه ضدَّها هو من سوءِ إدراكٍ وفهم لمقاصِدِهم، فهم حرروا الأحكامَ من رِبْقَةِ الضعفِ ومن أزمة التناقض والتَّضادِّ، حتى جاءَت محرَّرَةً موزونة، فلا إفراط فيها ولا تفريطَ، فالنظرُ إليهم أنهم ظلموا المرأةَ نظرُ فسادٍ، وليسَ منطلِقًا من نظرٍ صحيحٍ، ولو تمعَّنَ الناظرُ في مدوَّناتِ الفقه لوجدَ أنهم أحْكَموا البيان إحكامًا لا يغيبُ إلا عن غيرِ العاقل. وهم ليسوا بأربابِ سوءٍ ولا أصحابِ هوى، فلا اتهامَ لهم.
وهنا يُفرَّقُ بين الفقهاء وبين المُتَفَيْقِهون، فالفقهاءُ ينطلقون من أصولٍ، نصوصٍ وقواعدَ، ويوازنون، فيحكمون بالعدْلِ، وأما المُتَفَيْقِهون، وهم المتأخرون، والمعاصرون، الذين تناولوا الأحكام من زاوية حَولاءَ بعينٍ عَوراءٍ ومقاصِدَ عَمياءَ فلا اعتبارَ بهم ولا لهم، فليسوا إلا ممثلين لأنفسهم، والإنسانُ وما اختارَ.
إنَّ الدينَ لم يجْعَلِ المرأَةَ بلا حقٍّ، ولم يُفْقِدْها إنسانيتها، ولم يعتبرْها سِلعةً، ولم يجعلْها مُهْمَلَةً بل رعاية ولا قيمة، بل صانها صيانةً تامةً منذ أولِ حياتِها إلى وفاتِها، وفي كونِهِ جعلَ أمرها بيد الرجلِ لا يعني سلبَها شيئًا، إنما لأجل رعايتها، وشدةِ التكاليفِ عليه في رعايتها، فهو مُطالَبٌ بذلك، بتفاصيلَ أشَدَّ، وهذا ما يُقرِّرُه الفقهاء الذين يتناولهم أهْلُ الهُوْنِ والدُّوْنِ من الناسِ.
للمرأةِ، كما للرجلِ، أن يُطالبَ بحقِّهِ الذي حُرِمَهُ، ولكنْ بطريقةٍ صحيحة، وبعدْلٍ وإنصافٍ، ولا يجعلْ كلام الناس، ولا الناطقين بلسانِ الدينِ -ممن تأخَّرَ وعاصَر خاصةً-مرْجِعًا في ذلك، بل المرجِعُ ما تقرَّرَ في كتب العلمِ، مما حرَّرَه العلماءُ الأوائلُ الأكابرُ بعدَ فحصِهم ونظرهم لنصوص الشريعة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى