أشتاتٌ

تأمَّلوا العُمَّال، فبعضهم عُلماء ونُبَغاء!

من المفارقاتِ العجيبة في عصرنا هذا، وهي في كل عصر، أنَّ ظاهرَ الإنسان ليس دليلًا على جوهره، ويكثرُ ذلك فيما بين أيدينا من العمالة العاملة لدينا، فإننا نراهم ونتعامل معهم على أنهم عاملون ليس إلا، وأنهم محدودوا الفكر، فاقدوا العلم، وهذا لدى كثير منهم، هم كبقية الناس في هذا سواء، لكن أن يكون العاملُ صاحبَ المهمة المحتَقَرَة في المجتمع، ذا الراتب الضعيف، المُستضعَف المُهانَ=عالمًا، أو مفكِّرًا، أو مثقَّفًا، فهذا مما يقضي بالعجَب، لدرجة التكذيبِ، ويصل ببعضِ الحمقى إلى الإهانة له لأنه ادعى شيئًا لم يكن له.
وإني لأذكر عام ١٤١٧ هـ التقيتُ بموظفٍ =عامل في أحد محالِّ بيع دهن العود، في أحد مجمَّعات الرياض، وقيل لي عن ضلاعته بالنحو، وحالُه كغيره ممن هم على وظيفته، ولكنه كان بحرَ علومٍ لا علمًا واحدًا، بحرٌ يتلاطمُ موج علومه تلاطما يدع منها ويذَرُ، ثم التقيتُ به -بعد بحث عنه-بعد ثنتي وعشرين سنة، وهو علَمٌ من أعلام الوقت، وهو هنديٌّ، وهو شيخنا وأستاذنا العلامة أنور الفَضْفريُّ، وطلابُه من أعيانِ البلاد هنا -السعودية-، وزراء وأساتذة جامعات، وتصانيفُه تملأُ المكتبات، تنوعًا وتوسعًا، إجادةً وإفادةً. ومثلُه غيرُه في كثيرٍ من البلاد.
وقبل تلك السنة بسبع سنوات أو قريب، ذكروا لي عاملًا في إحدى بقالات حيِّ الشفا، بالرياض، يحفظ كتب الحديث الستة، بأسانيدها، كما يحفظ الفاتحة، لا يُخلُّ بحرفٍ منها.
واليومَ أقفُ على مكتوبةٍ عجيبة يقول د ممدوح بن تركي القحطاني، في حسابه في تويتر @MamdohAlqahtani :”سؤال لم أتوقعه أبدا، كنت مسافرا ومررت بقرية الحَيد بين الدوادمي ونفي فسألني عامل المسجد وأظنه من بنغلادش عن تصريف قوله تعالى: {لا يسَّمَّعون إلى الملأ} أثلاثية هي؟
‏فقلت: أصلها يَتَسمعون يتفعَّلون، ثلاثية مزيدة بحرفين، التاء والتضعيف، سكنت التاء وأدغمت في السين لقرب المخرج.”
فلا نستحقِرَنَّ مَن بين أيدينا من عُمَّلنا، فلربما كان منهم من يستحقُّ أن يُخدَمَ، ويُعظَّمَ لعلمه، والحديثُ المنبئُ بالذوقِ صريحٌ في ذلك “أنزلوا الناسَ منازلَهم” إذا علمناها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى