كل إنسانٍ لا يُمكنه العيشُ إلا بعقيدةٍ و من أجل عقيدة، يُضحي بما يملكه من نفْسٍ و نَفَسٍ و نفيسٍ حمايةً و صيانة و رعايةً لها، و هذا شيءٌ مجبولٌ عليه الناس جميعاً، و مِن ثمَّ يختلفون فيما بينهم فيما يعتقدونه، ما بين مُصيبٍ وما بين مُخطيءٍ، العقيدةُ هي الشيءُ الذي يُؤمِن به الإنسانُ إيماناً قوياً، و هي غالباً ما تكون أُصولاً كُبرى لإيمانه، و قواعد عُظمى لمبادئه، مهما يكن له من شيءٍ لن يتزعزعُ عنها و لا يحيدُ.
العقائد تتصِلُ بالغيبيات أكثر من اتصالها بالمشهودات، و بالوجود أكثر من العدم، و ما أُدخِلَ من غير ذلك فيها فهو إدخالٌ للإكمالِ ليس إلا، لذلك فوَزْنُ الأمور المطروحة في العقائد يحتاج إلى كثيرٍ من التحرير و التمحيصِ، ليُفرَّقَ بين ما هو من أصولِ العقائدِ و بين ما هو من الزاوئد المُكمِّلَة، و تلك المُكمِّلةُ لا تُعطى في حالٍ حُكمَ الأصولِ إلا في حالِ أن صارتْ وسيلةً لنقضها نقضاً صريحاً، أما ما يُخشى فلا حُكمَ يُقطَعُ به بناءً على الخشية.
في النظر فيما كُتِبَ في العقائد نجد الكثيرَ مما هو في حاجة إلى تحريرٍ، تحريرِ العقائدِ من تلك القضايا المَزِيْدَة التي أُعطيتْ أحكامَ العقائد الأصلية الأساسية، فكثيراً ما تطرَّقَ العَقَدِيُّونَ لقضايا فقهية أو سلوكية، أو سياسية، في كتب العقائد، ذكروها إما تمييزاً لفِرقتِهم عن الفِرَقِ الأُخَر، و إما إقحاماً لها لتأخُذَ أحكامَ العقائد، زيادةً في التمييزِ، و حصراً للتميُّز.
حينما نُمعِن الرؤية بعُمْقٍ نجد أن الكثيرَ من القضايا التي جرتْ فيها المعارك الجدليَّة في العقائد هي تتعلَّقُ بالمَزِيْدِ المُدخَلِ فيها و ليست في الأصولِ المُتفَّقِ عليها، و أعني هنا العقائد الإسلامية لا غيرها، أُلبِسَتْ تلك الزوائدُ لباسَ الأصولِ الأساسية فصارتْ الحروب الكلامية الجدلية، و عندما نُمعِنُ الرؤية أكثر عُمقاً نجدُ أن الإشكالَ في تلك الزوائد لا يتجاوز أن يكون فيما يسوغُ الاختلاف فيه و ليس شيئاً مقطوعاً به.
إن تحرير العقائد من تلك الزوائد و الإبقاء فيها على ما هو أصلٌ أمرٌ من الضرورة بمكانٍ كبيرٍ لصيانة تلك العقائد من العبَثِ، بأيِّ نيةٍ كان ذلك العبث و بأي اسمٍ جرى، فليسَ الأهم إلا صيانة العقائد و حسْبِ، أما صيانة التوجهات فيها فليست لازمةً كثيراً، خاصةً حينما نعلمُ أن تلك الزوائد كانتْ وسائل تُبيدُ الكثيرَ من جمال العقائد.
يتطوَّرُ الشأنُ في بعض الفِرَقِ فيُقيمون العظائم لأجلِ زائدةٍ لا قيمة كُبرى لها، و هذا لا يجعلنا نُقابِلُ التعظيمَ بتعظيمٍ يزيدُه، بل الإهمالُ للمُعظَّمِ زيفاً يزيدُ في إعمالِ سقوطه، و ما عَظُمَتْ الزوائد على الأصولِ إلا من هذه الجهة، فضاعتْ الاهتمامات بالمواجهات الكُبرى و توجهتْ إلى المواجهات الصُغرى، و كُلُّ شيءٍ عُظِّمَ على غيرِ حقيقته كانت الانتكاسَةُ في أهلِهِ على أصولِ عقائدهم، فيتنازعون فيفشلون فتذهب ريحُ قُوتِهم بسبب فُرقَتِهم فيكونون قوتاً لأضعفِ عدوٍّ لهم.