لا جديد في الدنيا، لكن هناك الكثير من الأشياء القديمة التي لا نعرفها.
أمبروس بيرس
ليس هنا شيءٌ من العلم يدوم مَخفياً و مستوراً، و ليس كله من ” المضنون به على غير أهله “، فالأصلُ في العلم أنه ظاهرٌ، الكلُّ يعرفُه و يُدرِكُه، و لكنَّ ليس كل أحدٍ هُيِّئَ له، فالعلمُ ليسَ كله مهيأً إلا للكل، للمجموعِ من الناسِ، فهو متفرِّقٌ فيهم، و لا أحد جمعَ العلم بأسْرِه، و لا انتهى إليه كلُّ أمرِه.
و الأصلُ فيمن ملَكَ العلمَ، و نالَ منه حظاً، أن يبذله لطالبه دون تحفُّظٍ، فما طلبَ أحدٌ علماً و لا معرفةً إلا وهو يردهما كما هما لا أنه يريدهما مُوجَّهَيْن مُحرَّفَين نحو فكرٍ و منهجٍ و جادةٍ عقليةٍ يسلكها من لديه العلم و مَن يُكتَسَبُ منه.
بقيَ العلمُ كما هو عليه في الظهور و البُدُوِّ لكل طالبٍ له، فلم يكنْ مخفياً يوماً منه إلا ما كان ضرورةً، و الضروراتُ الكاتمةُ للعلمِ ليست مما يقبله العقلاء، و لكن هكذا كانت الأحوال، فطرأَ على العلم الكتمان، و غُطِّيَ و حُجِبَ، و بهذا غدا العلمُ مُسْتَنْكَراً عند الناس، و ليس معروفاً منه إلا ما أبْدَتْه بعض النفوسِ مما يخدم رغائبها و أهواءها.
ظاهرةُ تغطية العلم من الظواهر التي أُفسِد بها العلم، و جُنِيَ عليه بسببها، ذلك أنَّ العلمَ المُغطَّى هو غالباً ما يكون من العلم الذي من حقِّه أن يكون ظاهراً و بادياً، و إنما كانت تغطيته لمآرب امتلأت بها النفوس، يختلفُ أرباب العلمِ المُغطُّون للعلم في تلك المآرب، لكنَّ الجامع لها هو أرَبُ هوى النفسِ، إما بصورة مُعتبرَة من جهة الدين، و إما بصورةٍ من جهة الجاه، كـ حمايةٍ من ذاك العلمِ، إذ ربما كان زيغاً، و كـ صيانةٍ للجاهِ أن يزولَ بسبب كتمان ما لا يستحق الكتمان.
مهما حاول قومٌ تغطية العلم و حجبه عن الناس إلا أنه سيظهر في وقتٍ هو نكسَةٌ و نكبةٌ على المُغطِّيْن الحاجبين إياه، فالعلمُ لا يغلِبُه عبثُ المُستخفِّيْنَ به، و لا لَعِبُ المُستهنين به، إذ هو ليس ملكاً لأحد، و لا ينطوي تحت رايةٍ، فهو لا يُصنَّف، و إنما يُصنَّفُ فهم العلم.
لذلك فأسوأ أحوالِ العلمِ المُغطَّى أنه يكشفُ عورةَ الذين مارسوا عليه و فيه أساليب التغطية، حينها يبدو عزيزاً وهو يُذلُّ أولئك الذين أهانوه، و يبدو عالياً على استفالِ نفوسِ الذين أداموا إنزالَ مقامِه، أما الذين أعزوا العلمَ و أكرموه و صانوه فإن العلمَ سيُكرمهم، ولو أهانهم كل منتسِبٍ إلى العلمِ وهو ربيبُ الجهل، فمن أكرَمَ أُكْرِمَ، ومَن أهانَ أُهِيْنَ، و مَن لَزم الصيانة لَزمتْه، و مَن أدَّى الأمانةَ أمَّنَتْه.
هناك علمان: علمٌ عامٌّ، و هو الذي لا يحكُمُه أحدٌ، و متى قصَدَه طالبُه صادقاً أوصلَه إلى حقيقته، و كان به متعلِّمَ العلم. و علم خاصٌّ، وهو الذي يكون مُخصَّصاً بـ حركةٍ ومنهجٍ و فكرٍ و بلدٍ و أشخاصٍ، و صاحبُ هذا العلم كثير السقوط، على حافةِ الزللِ، مليءٌ بالعِلَل، إن واجَهَ صاحب هذا العلم الخاصِّ صاحبَ العلم العامِّ سقط على وجهه، لأنَّه لم يطلبْ حقيقةً العلمَ، و لم يسعَ صِدقاً إلى نفي الجهل عنه، و إنما كان سعيه و طلبُه لأجلِ الجزئية الخاصة، و الضِيْقُ لا يمنحُ السَّعَة.
عندما نعلمُ هذا الشيءَ، و أنَّ هناك من العلمِ ما غُطِّيَ لأجلِ مآرِب سوءٍ، ليس منها، غالباً، أرَبٌ حَسَنٌ، نعلمُ أنَّ كثيراً من العلم الذي يستنكرُه أكثر الجاهلين، في لباس العالمين، إنما هو علمٌ يُزعجُهم و يُزلزلُ شيئاً من قواعدهم التي يصِلُون بها إلى منالٍ خاصٍّ، إذ لو كان هناك دافعٌ حسَنٌ لمنع العلم و تغطيته لكان الصدقُ في بيانه و إيضاحه، فأمانة العلمِ تقتضي أن يُظهَر العلمان، الصحيح و الخطأ، فيُقرَّرُ الصحيحُ و يُحرَّرُ الخطأُ بالنقضِ و البرهان، و لكننا لا نجد هذا في أساليب المانعين و المُغطِّيْن للعلم اليوم.
لا يسلُك هذا المسلك، في تغطية العلم، إلا أصحابُ المنهجية العلمية المحصورة، و الضيقة، و التي لا يسلُك أصحابها إلا مسلَك الواضِح من العلم، و الذي يُنالُ بأقلِّ جُهدٍ، كجُهْدِ فتحِ كتابٍ و قلْبِ صفحته، و لا يسلُكُه أولئك الذين أخذوا العلمَ على أصوله، و لا الذي سلكوا فيه جادَّةَ الصدقِ في الوصول إلى العلمِ ليكونوا على علمٍ و في عينِ العلم، و يكونون في ظنِّ العلمِ كما هم في يقينه، و كلُّ علوم البشرِ ظنٌّ، وما أحدٌ منهم من العلم في يقين.
حينما ننظرُ في كثيرٍ من الطرْحِ العلمي، الشرعي و غيره، نجد أن كثيراً مما سُلِكَ فيه مَسْلَكُ أسلوب: الصحيح، الأصح، الراجح، الأقرب، و غيرها أنه طرْحٌ غيَّبَ العلمَ، و أنه ما أبدى إلا علماً خاصاً، هذا الإبداءُ للعلمِ الخاصِّ له أسبابُه و بواعثه، ليس منها في الحقيقةِ صيانة العلم.
نجد التغطية للعلمِ غالباً في القضايا التي يكثُرُ فيها الاختلافُ، و كذلك القضايا التي هي من العادات أُعْطِيَتْ حالةً تقديسية و ليست كذلك، و كذلك القضايا التي تمتازُ بها حركةٌ فكرية، أو منهجٌ، أو كذلك دولة، أو تلك القضايا التي يكون في إظهارها نفيُ الخصوصية في الصواب، و لا تكون هناك تغطية لقضايا علمية ليس فيها شيءٌ من ذلك، مما يدلُّ على أنَّ التغطية ليست لأجل العلم.
أصحابُ تغطية العلم هو الذين يرى الناسُ منهم دوماً رأياً واحداً، و كلُّهم فيه تبَعٌ، الآخرُ على خُطى السالف، لا محيصَ، على سُنَنِ ” حذو القُذَّةِ بالقُذة “، ذلك لأنهم لم يجدوا من مفاتيح العلمِ عند أرباب علمهم إلا مفتاحَ اللفظِ، أو مفتاحَ العلم المعهود، و كلُّ لفظٍ تحتَه مئيْنٌ من المعاني، و و كل علمٍ معهودٍ هو علمٌ لا يَفي.
تغطية العلم كانت جريمةً في حقِّ العلم، تجرأ الكثيرون من المنتسبين إلى الولاءِ إلى العلم، و ليسوا من العلم في شيءٍ، على مقامات العلم، فأهانوا العلمَ بإنكارهم ما يجهلونه، و أهانوا العلمَ لأنهم لم ينالوا كرامته، و أهانوا العلمَ يوم كانوا منسوبين إليه وهو منهم بريءٌ، هذه التغطية للعلم لم تُبْقِ أحداً في سلامةٍ، فظنَّ، بل أيقنوا، أصحابها بأنه ليس من علم إلا ما لديهم، فحصروه فيهم، هذه واحدة، و ناوأوا مَن أبان العلمَ الذي خانوا أمانته فخبأوه، هذه ثانية، و اتهموا العلمَ المُغطَّى بما يسومه بسوءٍ لتبرأ الساحةُ لهم، هذه ثالثة. لذلك قبل أن يُنكَرَ علمٌ يجبُ أن يُنظرَ فيه، فليس كلُّ علم مُنكَرَاً ليس علماً، بل هناك جاهلٌ في لباسِ عالمٍ تنكَّرَ له، و رمى عليه غطاء العدم.
ليست الجريمةُ فقط في أولئك الذي اُتُّخِذوا رؤوساً للعلمِ و ليسوا إلا جهالاً في صورة علماء، و إنما فيمن بلَغَ و أدرَكَ و قرأ و علِمَ أكثرَ من منافِذِه إلى العلم و لكنَّه بقيَ في دائرتِهِ الضيقة، لم يكن علمُه له مُوسِّعاً و إنما كان علماً مُثبِّتاً، و قُبْحاً لعلمٍ رَتَع بصاحبه في وَتَدِ الجهالة.
تنبيه: استفدتُ عنوان المقالة من كتاب ” تغطية العالَم ” لـ أحمد السيد عطيف.