أشتاتٌ

بالعطاء.. نحنُ وَسَائِلُ اللهِ تعالى

 

بالعطاء.. نحنُ وَسَائِلُ اللهِ تعالى

كيرًا ما نواجه في الحياةِ مواقفَ من أشخاصٍ نُغْدِقُ عليهم من العطاءِ ما يُقيمُ أوَدَ ظهورهم، وننتظرُ منهم أن يكونوا وجهًا جميلًا معنا، وهذا أمرٌ طَبَعِيٌّ، لأنه ما تقتضيه مكارم الأخلاق، ومحاسنُ المروءات، لكننا نُصدَمُ أننا نجدُ منهم بعدما صاروا شيئًا لم يكوْنُوْهُ قبلُ أنهم يقلبون علينا ظَهْرَ المِجَنِّ، فيُيرموننا بالسهام التي بَرَيْناها لهم، وبذاتِ الطريقةِ التي علمناهم إياها في الرمي، وهنا نقعُ أسْرى الضيقِ والحُزْنِ، ونسرِدُ الأيمانَ الغِلاظَ ألا يروا منا معروفًا، ولا ينالون منا عطاءً.
وهذا الحقٌّ لنا، ولكنَّه حقُّ الضَّعْفِ، لا حقُّ القوة، حقٌّ يكون به حظُّ النفْسِ لا حظُّ الروحِ، وحظُّ النفْسِ أرْضيٌّ وحظُّ الروحِ سَمائيٌّ.
إنَّ الإنسانَ كلما كان أوْعَى وأَدْرَكَ للأمورِ في الحياةِ كان أكثرَ تجاوُزًا للأمور الشكلية، فلا ينظرُ إلا إلى معالي الأمور وأحوالها، وهنا يجبُ أن يكون كذلك، فهو بين المقام الأرضي أو المقام السمائي، ومقام السماءِ عالٍ، لا يَنالُه إلا أشرافُ الناس، ذوي الأرواح الشريفة، وهو الذي كانَ عليه يوسُفُ حين قال لإخوَتِهِ {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، وتجلَّى بالجمالِ في الموقفِ المحمدي للرسولِ صلى الله عليه وسلم حينما فاهَ بالصَّفْحِ يومَ الفتحِ فقال:”اذهبوا فأنتم الطُلَقاءُ”، فهذا لا يكون منهما إلا لأنهما سمائي الأرواح، ومَن سلكَ مسالكهما فللمروءاتِ السمائية انتمى.
إننا نُعطي مما نقدِرُ عليه لأن الله تعالى جعلنا وسائلَ لعطائه، فوَصَلَنا منه، ويصِلُ منَّا إلى غيرِنا، فمتى نظرنا إلى ما عندنا بالعين القارونيَّةِ أُصِبْنا بالهاجسِ الشيطاني، فالنظرةُ القارونية أننا ما نملكُه لنا، مُلْكٌ حُرٌّ، منَّا وبنا ولنا صارَ وكانَ، فمنْ حَشَرَ نفسَه فيه أخَذْناه بالويلِ والثُبور، لكننا لو نظرْنا للعطاءِ بالنظرةِ الإنسانية النقية، الصِّدِّيْقِيَّة، لتجاوَزْنا سلاسِلَ النفوسِ، وسلِمْنَا من مُغِبَّاتِ الهاجِسِ، كما صارَ لأبيِ بكرٍ، صِدِّيْقِ الكمال، حينما منعَ مِسْطَحًا، ابن خالتِهِ من عطائه، فجاءَه العتابُ بآيةٍ خالدة، عتابُ الحُبِّ لا عتاب العَيْب {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓاْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فقال: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع النفقة إلى مسطح.

وما أشَدُّ على الشُرَفاءِ إلا قَطْعُ عوائدِ العطاءِ منهم، لأنهم يُدْرِكونَ أنهم إذا قَطَعُوا قُطِعُوا، فإذا عوَّدتَ أحداً شيئاً حسناً منك فإنما ذا من عادةٍ عوَّدك الله تعالى إياها منه، فإن أدمت عادتك أدام الله عادته معك، و إن قطعتها قطَعها عنك.
كان عبدالله بن جعفر كريماً جداً فعوتِبَ في ذلك، فقال: الله عوَدني عادة, وعودت عباده عادة، فأخشى إن قطعت عادتي عن عباده أن يقطع الله عادته عنّي.

إنَّ غايةَ النصْرِ على مَن أساءَ هو أن ننتصِرَ على أنفسنا أن تنتظرَ شيئًا، فأهل الكمالِ لا ينتظرونَ مُقابِلًا، لأنهم يُدركونَ أن ما منهم إنما هو من اللهِ تعالى حقيقةً، وهم ليسوا إلا وسائلَ، وما للوسيلةِ من حقٍّ إلا عندَ مَن جعلها كذلك، وربما كان النصْرُ أن يعودَ المسيءُ بصورةِ الاحتياجِ، فيكونَ تأديبًا له من جهةٍ، وتَكرِمةً للمعطي المُساءُ إليه من جهاتٍ، لن يُدرِكَها إلا إذا ارتقى من نفسِهِ لروحِهِ.
إذا أعطينا فلْنَنْسَ العطاء، ولْنَنْسَ أننا أعْطَينا، إلا في مقامِ النُّكرَانِ والجُحودِ، فيُذكَرُ تأديبًا، وتنبيْهًا، لا امتنانًا.
كما أن العطاءَ ينساهُ السمائيونَ، فكذلك الإساءةُ، فلا ينظرونَ إليها، بل يتغاضَوْنَ عنها، لأنَّ في في التغاضيْ بلوغُ المعالي، وفي التجاوُزِ قَطْعُ المَفاوِز، وفي الاتِّقاء الارتقاء، وشيءٌ بشيءٍ.
ذلكَ أنَّ النفوسَ كلَّما ارتقَتْ وشرُفَتْ تعرَّضَتْ لها نفوسٌ أدْنَى، فآذَتْها، لأن هذه النفوسَ الرديئة كالنارِ يَظْهَرُ من خلالِها ذَهَبُ النفوسِ الشريفة. والنفوسُ الشريفةُ تتعرَّضُ للنفوسِ الرديئةِ بالإكرامِ ومروءاتِ الأخلاقِ ومحاسِنها، فالنفوسُ الكريمةُ يَظهَرُ كرَمها من خلالِ النفوسِ الشريفةِ في موقفَيْ: الحلم والتجاوُز.

واحذَرْ أيُها المُعْطَى أن تكونَ سَبَبًا في نُزولِ نَفْسِ المُعْطِي، فتُديمُ ذِكْرَ فضلِهِ بأنَّه ذو العطاءِ لك، وأنَّك به نهضْتَ وقُمْتَ، فليسَ أقبَحَ من إفسادِ المروءاتِ بذكرِ المَكْرُماتِ، ولَفَسَادُ مروءَةِ نفْسٍ بابٌ من الشرِّ كبيرٍ، ولا يَزالُ الناسُ بخيرٍ ما بقيَتْ فيهم المروءة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى