أشتاتٌ

صَهوةُ الحالِمِيْن

[حديثُ الهِمَمِ]

صَهوةُ الحالِمِيْن

[حديثُ الهِمَمِ]

حديثُ الهمَّةِ يُقْلِقُ ذا الطُّموح، ويُشْغِلُ بالَ السَّبَّاقِ، والحنينُ يَحْدوني إلى الهِمَّةِ بين حينٍ وآخر، فما أُراها أُشْبِعَتْ حديثًا، وما أُراها وُفِّيَتْ حَقَّها، لأن الحديثَ عنها هو حديثٌ عن كِيانِ الإنسانِ، من قلبٍ وروحٍ، ثم عن جسَدٍ عاملٍ بتحقيقِ إملاءاتِهما، يؤُوْل ذلك بِهِ إلى تلَفٍ له، من إجهادٍ ونُحُولٍ.
لم تكنِ الهِمَّةُ يومًا عرَضًا عابرًا في حياةِ الإنسان، إنما هي -إن كانتْ بصدْقٍ- عاملةً فيه عملَ الناصِبِ، فتَنْصِبُ الهمَّامَ في ميدانِ الأعمالِ، فيحملُ شِعارَ “أصِلُ أم لا”، فلا يَقِفُ على حدٍّ، ولا يهنَأْ بحالٍ.
الهمةُ ليستْ صِفَةً صُورية، إنما هيَ صِفةٌ فاعلةٌ، صفة جوهرية، إذا تحلَّى بها الإنسانُ دبَّ بوجْهِ العزيمةِ نحو المُرادِ، حتى يبلُغَ بَحْرَ غايتِهِ، ويبلُغَ أسبابَ المقصود، وهو في كلِّ هذا المسيرِ يُحدِّثُ نفْسَهُ بأنَّ الطريقَ وإنْ قَصُرَ فهو طويلٌ، وأنه وإنْ طالَ فهو قصيرٌ= مما يخطُرُ على بالِهِ أو يجولُ في خيالِه.
يَقْتَبِسُ من أعيانِ الهمَّامينَ ما يكونُ وَقودًا لزيمةِ همَّتِهِ، فإنْ شَدَّ مِئْزَرَ سَيْرِهِ، وجدَّ عَزْمَ الخَطْوِ ارْتَقَبَ في الآفاقِ أساطينَ الهِمَمِ، فبانَ له انحسارُ هِمَّتِهِ، فحثَّ السيرَ، وشَدَّ لِجامَ نَفْسِهِ، وضرَبَ على ظَهْرِ قلبِهِ، وهتَفَ منادِيًا: إيَّاكَ، فما أنتَ وزاوية الخاملين، فتطمَحُ نفْسُه، ويُسابِقُ زَمانَه.
الهِمَّةُ تلك التي اعتلاها الحالِمون، الذين بهم صُنِعَتْ معالِمُ حضاراتِ الأُمَم، وهيَ وإنْ كانتْ مواهِب من اللهِ تعالى لبعضِ عبادِهِ، إلا أنها تُنالُ بالكَسْبِ، وبعضُ الكَسْبِ يَفُوْقُ الوَهْبَ.
إنَّ الهمَّةَ=صَهوةُ الحالِمِيْن عالَمٌ من أسرارِ النفْسِ، يُثيرُ شأنُها في الروحِ شَجَنًا باتَ سِجْنًا، ويَفْتَحُ أُفُقًا غادَرَ عُمْقًا، والروْحُ حالُها ليسَ بالهَيِّنِ بسببها، فهي في قلَقٍ، والقلبُ في طَرَبٍ، والجِسْمُ في كَبَدٍ، والجوارِحُ في تَعَبٍ، لكنَّ الغايةَ محمودَةَ الحالِ، والمآلُ ميمونَ النهاية، والجَنَى طيِّبٌ، والثَّمْرَ ثُمامٌ.
هناكَ عند الوصولِ لنهايةِ رِحلةِ الهمَّةِ، لا يُغادرُ الهمَّامُ صَهْوَتَها، إنما يَرْتَقي لِهِمَّةٍ أسْمى وأعلى، ويطلُبُ بلسانِ الأولِ “لنرْجو فوقَ ذلك مَظْهَرَا”، فكلَّما علَتِ الهِمَّةُ اتَّسَعَت، هي كالحُفْرَةِ تزدادُ اتِّسَاعًا كلَّما عُمِّقَ الحَفْرُ، وعلوُّ الهِمَّةِ لسمواتٍ لا يُدرِكُها إلا مَن ذاقَ لذاذتها.
كلُّ ذلك عن صَهْوةِ الحالِمِيْن سيكونُ مَرْقومًا في “صَهوةِ الحالِمِيْن“، فكونوا بالقُرْبِ دومًا ليكونَ قريبًا منكم يَومًا. قبل عِقدَينِ من الزمانِ كتبتُ عن الهمةِ حديثَ رُوحٍ، حديثَ الذي يتكلَّمُ عن شيءٍ يفقدُه أو يُعاني منه، كان حديثًا جميلًا، ما زلتُ أتذوَّقُ طَعمَه.

خوالصُ التَّحايا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى