أسمى الاجتماعات الاجتماعية هو اجتماع القرابة، لما فيه من توطيد أواصر الأُسَرِ، وتوثيق العلاقات بين الأحيال، إذا كانت مبنيةً على الاحترامِ والتقدير، واعتبار المقامات والمنازل، أما إذا كانت اقوم على المفارقات بالمقارنات، والمفاضلات بالاختلافات، فتركُها خيرٌ وفضيلة، كتركِ أي فضيلة مَسَّتها هذه الرذائل.
منذ سنواتٍ طِوالٍ -قرابةَ ٢٥ سنة-لم أَخْطُ لتلك الاجتماعات، ولم أحضرْ شيئًا منها، إلا مراتٍ قليلاتٍ، جبرًا لخاطرِ أصحابِها، لخاصيَّة المنزلة، ولي أسباب في ذلك هي عندي وجيهة وبمحلِّ اعتبار، لو سئلتُ عنها أجبتُ بها، ولم أسألْ، والحمد لله تعالى، فقدَّرَ أن بدأت بالعودة لتلك الاجتماعات، في مناسباتٍ غير زواج وعيد، فهاتان مما أحد النفسَ منصرفةً عنهما انصرافًا تامًا.
من محاسن تلك الاجتماعات التي تجمع أطراف القرابة، الأطراف العليا مع الدنيا، الكبرى مع الصغرى، فتجددت بها الحياة، وعرف الصغيرُ الكبيرَ، وأدركَ اللاحقُ السابقَ، وعلى قدر مقامات القرابة تكونُ قيمة تلك الاحتماعات.
شريط الذكريات كان سيد الموقف تلك الليلة، فكلُّ من لاقيتُ يسردُ ذكرياتِه، قولًا أو فعلًا، والعقل بذاكرته يخترق الزمان الحاضرَ راجعًا للوراء الماضي، ليعيش لحظة تلك الذكرى، فيسرد زياداتٍ قد غيبها النسيان.
إن الذاكرةَ تنسى، ولكن الروح لا يغيب عنها شيء، فتستخرجُ من أرشيفها ملفات الماضي كاملةً، وكأنها رأيَ العين، لأن الماضي هو الزمن الوحيد الذي يتصل بالروح، كما أن المستقبل زمان متصلٌ بالعقل، أما الحاضر فزمان الجسد.
في تلك الاجتماعات ليحذرَ الناس فيها من مُفرِّقاتها، فأسئلةُ التفريق قبيحةٌ فيها، عن فلانٍ في الماضي والآن، وظاهرُ فلانٍ ليس ظاهرَه في القديم، وتنقيب موارثَ الحزائر، كل ذلك من الضَّعَةِ والقِحَةِ بمكان كبيرٍ.
في كلٍّ اختلاف ومخالفة، فعندما تنظر لغيرك بأنك أفضل منه وأسمى وأعلى، نظرَ ظاهرٍ لطاهرٍ، فلعلَّ في دواخلك أسواء وأدواء، هي أورَدُ لك للمهالِك مما فيه، فمن غَضَ غُضَّ عنه.
إنَّ كثيرًا من الانفصالِ بعدَ الاتصالِ هو بسببِ تصرُّفاتٍ هَوجاءَ غير مسؤولة، من بعضِ أطرافٍ رَعْناءَ، لم تنظُر إلا لنفسِها مِن عُلْوٍ، ونظرَت لغيرِها من سُفْلٍ، فسَعَتْ بسوءِ تصرُّفٍ لما كان سببًا في بَتْرِ العلائقِ.
الأصلُ في العلاقاتِ هو الاستمرارُ والدوامُ، وخِلافُ ذا طارئٌ، له بواعثُه وبواحِثُه، وله أيضًا موارِثُه، فإذا جدَّ الطارئُ فالعاقلُ الناظرُ في الأسبابِ بحثًا وعلاجًا، لا الآثارِ دفْعًا وقَمْعًا.
حينما نرجو صيانة هذه من القطع، فعلينا أن نصون الأفراد من الخسران، فقد تجاوز الناس النظر لقيمة القرابة في زمنٍ يعيشُ الفردانية، ويسعى للوحدانية، منعزلًا عن كل قيم المجتمع، لذلك ليس علينا إلا قبول فروعنا كما هم، وننشر المودة والمحبة، ولكلٍّ وجهةٌ هو موَلِّيْها.
وأعتذرُ لأولئك الذين قد يَعجبُون مما كتبتُ، وقد كنتُ النائي، ولكنها نفثةٌ، وما زلتُ على شَفَا، فربما وربما، فإنِ استجدَّت الأسبابُ تلكَ فإنَّ النتيجةَ حاضرةٌ قَطْعًا.