اليوم الأول

لا أكتفي

” منهومان لا يشبعان، طالب علم و طالبُ مالٍ ”
حديث نبوي

طبيعة الحياة أنها تمنح المزيد، و هذا المزيد لا يكون إلا مع الحركة الراغبة فيه، و الإنسانُ السَّويُّ هو من يطلب المزيد من مِنَحِ الحياة، فلا يَملُّ من السعي، فهو في حركة دائبة دائمة، لا يتوقف و لا ينقطع، يتطلَّعُ إلى المزيد من كلِّ ما يجد فيه ذاته و نفسَه.

الانسجام مع الحياة، انسجاماً طبيعياً، يقتضي من الإنسان ألا يكون مكتفياً في طلب ما يريد، و ألا يكون، كذلك، مكتفياً في تحصيل كمالات جمال الحياة، وهذا الانسجام مع الحياة يمنح الإنسان تشوقاً أكثر لمعرفة الحياة، و يمنحه اكتشاف اسرارها و جمالها.

قانون الحياة الأعظم، و سرُّها الأكبر، هو التحرُّك للأمام، و الازديادٌ من التقدُّم للأمام، فمن اتخذ قرار الاكتفاء يكون قد اتخذ قراراً في عدم الحياة، و الرضا بالموت الاختياري، موت الروح و العقل و القُدُرات الإنسانية التي تجعل منه نبضاً لقلبِ الحياة.

لذلك فكل شيءٍ في الحياةِ مليءٌ، و فيه من المزيد ما لا يخطر على بال الإنسان، و لا يُمكنُه أن يكتشف ذلك المزيد إلا حينما يسعى إليه و يتحرك مُقبلاً عليه، فكلُّ مرحلةٍ و حالةٍ تنقلُه إلى ما بعدها، فاسرارُ الحياة كالعتَبَاتِ، لا يُبلَغُ المُنتهى حتى يُرتقى على تلك العتبات.

حينما يكتفي الإنسان، أو يظن أنه قد اكتفى، فإنه يحكم على نفسه بالموت الحقيقي، الموت الذي هو ضد الحياة، و الموت الحقيقي الذي يصيب الإنسان هو ما كان باختيارِه ومُبقيِهِ حيَّاً، فلا يزيده بقاؤه في الحياة أيَّ تقدُّمٍ، كما هو حال الميت الذي خرجت روحه منه.

إن شعارَ ” لا أكتفي ” لا يؤمن به إلا الأشخاص الذين يصنعون من ذواتهم استثناءً مختلفاً عن غيرهم، فهم أدركوا أن السرَّ الذي يفرق بينهم وبين غيرهم لا يكون إلا بحقيقة هذا الشعار، لذلك فهم لا يقفون عند حدٍّ، فيتجاوزون الحدود، و ينتقلون عنها إلى مراحل أرقى و أسمى.

إن ” لا أكتفي ” تعني أن الإنسان يسعى للزيادة من علوم الحياة في تنويعها، فيسعى في كل مجالٍ و كلِّ فنٍّ من فنون الحياة، و تعني أنه يسعى إلى الازدياد في تحصيل الكثير مما غابَ عنه مما تعلمه من علوم الحياة و فنونها، وهو في ذلك، حينما يجمع بين النوعين، يُدرِك من الحياة ما لا يدركه غيره من الناس.

كلُّ يومٍ في الحياة فيه ما ليس في الأمس، و في الغد ما ليس في اليوم، و الإنسانُ يُحصِّل في كل يومٍ جديداً، و سيجده إن أرادَه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى