مقالاتٌ

“مباهجُ العلم” النَّسَبُ العِلْميُّ

مباهج العلم”
النَّسَبُ العلميُّ

القاعدةُ في تحصيل العلوم أنها تؤخذُ بالتلقِّي، يُحَصِّلُ المتعلِّمُ العلمَ عن المعلِّمِ المُختَصِّ به، الراسخِ فيه، العارفِ بدقائقه وحقائقه، ثم بعدَ ذلكَ ينطلُقُ بذاتِهِ مُكوِّنًا نفْسَه، وحدُّ المُعلِّمِ أنها مفتاحٌ للعلمِ، وإن ارتقى مع المتعلِّمِ يكونَ باسطًا لما هو أعلى، ثم يكونُ حلَّالًا لمُشْكِلِ العلمِ الذي يمرُّ بالمتعلِّمِ.
وعلى هذه الجادةِ سارَ أربابُ العلومِ، فتُنُوْقِلَتِ العلومُ بهذه الطريق، فاتَّصَلَ الخالِفُ بالسالِفِ، وأدرَكَ اللاحقُ السابقَ، واكتمَلَ الآخِرُ بالأولِ، فبقيَتْ العلومُ محفوظةً، وبِهِ غدَتْ معروفةً مقاصِدُها، وصَحَّ الرأيُ بالرؤية.
وكانَ الأكابرُ ممن أدركوا من العلمِ بذاتِه شيئًا يحرِصُون على الاتصالِ بمُعلِّمي العلوم، ولو كانوا قد أدركوا فيها شأوًا جاوزا فيه زمَن التلقِّي، وما ذاكَ إلا لأجلِ أن ينسبوا العلمَ الذي يحملونه بنسَبٍ صحيحٍ، فيقولونَ: أخذنا العلمَ الفلانيَّ عن فلانٍ، فقرأنا عليه كتابَ كذا، أو أملا علينا منه علمًا.
هذا “النَّسَبُ العلميُّ” هو ما يُسمَّى بأسانيدِ العلوم، والتي كانتْ تؤخَذُ بالدرْسِ والتحصيل على الأساتذة والأشياخ، بعد أن يمُرَّ المتعلِّمُ على أبواب العلمِ درْسًا وشرْحًا، فيعرِفَ مفتاحَ العلمِ وبابَه حتى يلِجَ بيتَه، فيكون عارفًا فاهِمًا. ولم يحفُلوا كثيرًا، وإن كانوا مُحصِّلينَ لها، بالأسانيد المُنالَةِ دونَ درْسٍ، فتلك يستوي فيها الكلُّ، فلا تبينُ بها الهِمَمُ، ولا يَميزُ بها المتمكِّن من سواه.
نسبُ العلمِ من العلمِ بمكانٍ كبيرٍ، لذلك لم يكونوا داخلينَ غِمارَ التلقِّي عن مُعلِّمٍ إلا بدَلالةٍ عليه من راسخٍ بالعلم، وبعْدَ خَبْرِهِ ومعرفةِ مكانِهِ فيه، لأنَّ المعلِّمَ أبُ المتعلِّمِ، وإذا باتَ الأبُ اختيارًا فإن الابنَ يحرِصُ على حُسْنِ قرارِهِ في اختيارِه.
وينأونَ بأنفسِهم عن كلِّ ذِيْ علمٍ مقطوعَ النَّسَب العلمي، لأنهم يخشون أن يكون فهمه ليس على الجادة، وإن جرَّبوه فوجدوه مُصيبًا صحيحَ الفهم فإنهم على جوادِّ الحَذَر.
وما يرتقي أحدٌ في العلمِ إلا بقدْرِ نَسَبِهِ فيه، ولكلِّ علمٍ نَسَبُه، ونادرٌ أن تجتمِعَ علومٌ في نَسَبٍ واحدٍ، فتنبَّه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى