نَعْيُ الوَعْي
ما يُميِّزُ الإنسانَ هو الوعيُ الذي لديه، الوعيُ بالحياة و الوجود، الوعيُ بكلِّ شيءٍ، وعْياً مبنياً على إدراكٍ لكل شيءٍ حوله، و على التعرُّفِ على أسرارِ ما في الحياة، وعْياً يجعل الإنسانَ مُتَّخِذاً موقِفاً مناسباً مع كلِّ تلك الأشياء، فليس هو بالغافلِ الذي يسلُك خَبْط عشواء في هذه الحياة، و هذا هو دورُ العقل الإنساني.
الوعْيُ صفةٌ شريفةٌ، و مرتبَةٌ عاليةٌ من مراتبِ الإدراكاتِ، لا يكادُ ينالها من الناسِ إلا القليل، و أغلب الناس في غِيابٍ عن هذا الوعي، الوعيُ بهذه الحالة هو إدراكٌ تامٌّ، و انتباهٌ كاملٌ لكل ما يمُرُّ بالإنسان، و هنا يَكون الفرْقُ بين الوَعي الذي هو بابٌ من أبواب العيش في الحياة عَيْشاً مناسباً و بين الوعي الذي يُخالفُ الغيبوبة، فالأول إدراكٌ و الثاني إبصارٌ.
الناسُ تُحبُّ أن تُوصَف بالوعي، لذلك سَعَتْ إليه، و بذلت ما لديها لتتعلَّمَ ما يجعلها كذلك، و مدارس الوعي و مناهِجُه مختلفة، و ليس للوعْي تعريفٌ ثابتٌ، و إذا لم يكن له تعريف فالمناهج كلها سواء، إذ الاعتبارُ بالأثار.
الوعيُ له أحوالٌ، قد تكون من قوانينه و قد تكون من ضوابطه، فمن أحواله أنه سلوك، فليس الوعي علماً، و كل ما يُقال بشأنه إنما هو منهجٌ و مَسْلَكٌ لتوظيف السلوك توظيفاً سليماً، إذ العلمُ ما عُرِفَتْ أصوله، و دُرِيَتْ قوانينه، و الوعيُ ليس إلا أذواقَ الواعين، و تأملات حكماء الوعي، و كلهم قاصداً نفعاً، و ما كلهم مُصيبٌ.
من أحوال الوعي أن يكون داعياً لفضيلةٍ، ليس وعياً ذاك الذي يحُثُّ أصحابَه على ممارسَة الوَضاعة، أو التدنُّسِ بما يُخالِفُ الحال الإنساني، قد يقَعُ الإنسانُ فيما اعتَرَفتْ به العقلاءُ أنه عيبٌ، لكن بحجةِ الوعي لا يُعتبَرُ عيباً و حَسْب، و إنما يُعتبَرُ خيانةً للشرفِ الإنساني و لأعظم خصال العقلاء.
من أحوال الوعي أنه استيعابٌ للحياة، و للناس، استيعاباً مناسباً للحالةِ الحاضرةِ، و متناسباً مع احتياجاتها، من أكبرِ مفاسِد الوعي أن يَعِيَ الإنسانُ حياتَه الحاضرة بأساليبِ الماضي، أو بأساليبَ ليست مناسبةً لمكانه، فهذه أضرارها على الحياة شديدة و خطيرة، لأنها خداعٌ باسم المعرفة.
الوعيُ حكمةٌ، و فلسفةُ الحياةِ فلسفةً تبعثُ على التأمُّلِ و حُسن العَيشِ فيها، ليس الوعيُ حديثَ القَمَرِ يذهَبُ معَ نَفْسَةِ الصُبْح، و ليس هو غُبارَ المجاهداتِ يُزالُ برياحِ التغيُّر، بل هو فلسفةٌ و حكمةٌ باقيةٌ كلَّ حينٍ و آنٍ، و كلَّ عصْرٍ و زمان، و كلُّ فلسفةٍ، و كلُّ دينٍ، وعيٌ خرَجَ من حكمةِ أصحابها.
من أحوال الوعي أنه يُكوِّنُ الإنسانَ للتمكين، فليسَ وقتياً أو عَرَضَاً زائلاً لا أثرَ له، فكل وعي لم يُرسِّخْ الإنسانَ لا يُعوَّلُ عليه، و عندما نجدُ الوعيَ، أيَّ وعْي، لا يصنع إنساناً قويَّاً في الحياةِ و لا راسخاً متمكِّناً فإننا سنجد أنه وعْيٌ لا يتجاوَز أن يكون حديثَ مجلسٍ.
من أحوال الوعي أنه تجديدٌ، الوعيُ الذي تجد صاحبَه هو نفسه قُبَيْلَ زمَنٍ قصيرٍ لم يتجدَّدْ ليسَ إلا دَعْوى، الوعْيُ إذا كان إدراكاً للحياةِ و معرفَةً بالمقاصد الكُبرى للوجود فيها فإن التجديد و التجدُّد سِمتانِ أصليتان في صاحبه.
من أحوال الوعي أنه ليس تسكيناً، و ليس ركوناً، بل قائمٌ على العمل، و على العطاء، و على الجُهد، الوعيُ يجعلُ صاحبه في كلِّ حينٍ ذا شأنٍ مختلفٍ، ذا حالٍ مختلفة، ذا أثَرٍ، ليس الوعيُ أن يكون الإنسان راكناً أو كامناً، فذاك وَعْيُ الزيفِ.
الوعيُ آدابٌ و سلوكٌ حَسَنٌ، و عقلٌ مُدرِكٌ بالبرهانِ المقبول، و غاياتٌ حميدةٌ في الحياة، و صناعةٌ للخلودِ بالأثَرِ.
الوعيُ هو ذا، فإن لم يكن كذلك فإنَّ نَعْيَ الوعي هو ما سنواجِهُه في قابلِ الأوقاتِ، إذ استُخْدِمَ و وُظِّفَ توظيفاً ليسَ إلى الوعي في شيءٍ، و الفضائلُ نافيةٌ عنها كلَّ من لا يُناسِبُ قُدسيتَها، فكلُّ دخيلٍ بزيفٍ على الفضائلِ ستهتكُه الفضائلُ حيناً من الدهرِ لم يكنْ على بيِّنَةٍ من قانونِ الوعي النافي الصائن، فليُخَضْ في الوعْيِ بشرف الوَعْي و إلا فليُتْرَك، فالخائضُ فيه و هو ليسَ منه سَينعيه الوعيُ.