حولياتُ أَبي

وتَجدَّدَ العَهْدُ، يَا أَبَتِ

المَقالُ الخامسُ والعشرونَ

وتَجدَّدَ العَهْدُ، يَا أَبَتِ

العامُ الخامسُ والعشرونَ

أيُّها الأبُ الخالِدُ في القلوبِ، سلامٌ عليكَ دائِمًا، ثم سلامٌ عليكَ يتجدَّدُ كلَّ عامٍ في يومِ انتقالِكَ عن هذه الحياةِ الراحلةِ الزائلة، وهنيئًا لكَ ذلك الانتقال، سلامٌ عليك كلَّ وقتٍ وحينٍ، سلامٌ عليك مِن غيرِ قَطْعٍ ولا وَتْرٍ.

في كلِّ عامٍ يَسْتَجِدُّ لنا ما هو سَارٌّ لَكَ -حيًّا ومَيْتًا-، وما يُفْرِحُكَ ويُؤْنِسُكَ، وإننا لَرَاجُوْنَ أنَّك بخيرِ حالٍ في تلكَ الحال، وفي أحسَنَ منه في المآلِ، واللهُ كريمٌ، لطيفٌ بعبادِهِ.

مِن ذلك العامِ إلى ذا العامِ، إلى ذا اليومِ، عشراتُ الأمورِ كانت، مِنها التي بانَت ومنها التي بَاتَتْ، والحمدُ للهِ الكبيرِ المُتعالِ، وكلُّها أمور خيرٍ إذْ هيَ بقضاءِ اللهِ، واللهُ مُريدُها، ونحنُ لأمرِ في تسليمٍ وتَسْنيمٍ.

لَمْ أكنْ كثرَ العِشْرَةِ لأبي، ولا مُديمَ المُخالطَةِ لَه، وهذا مِن تقصيرٍ كبيرٍ كثيرٍ فِيَّ ومنِّي، ولكنَّ في الذاكِرَةِ تَعْلَقُ أشياءُ مِن أخبارِهِ، وتَرِدُ أشياءُ مِن آثَارِهِ، وكلُّها أخبارُ وآثارُ خَيرٍ وبِرٍّ، والحمدُ للذي جادَ على الإنسانِ بِذِكْرٍ وذِكْرَى حَسَنَيْنِ.

الأبُ مَدْرَسَةٌ، مهما كانَ قِصَرُها، ومَكْنَزُ خِبْرَةٍ مهما كانَ قِلُّها، يَنْهَلُ الأبناءُ مِن مَعِيْنِهِ ما هو زادٌ لهم في طريقِ الحياةِ، وما يكونُ مَعْلَمًا مِن معالِمِ السيرِ في هذه الدنيا. عِبارةٌ عابرةٌ، مليئةٌ بالمعاني العامرةِ الغامرة، تكون نِبراسًا لهم، ونورًا يضيءُ لهم طريقهم في حَيَوَاتِهم.

موقفٌ قصيرٌ معَ الأَبِ يعني آلاف المواقفِ معَ أفخم وأكبَرِ رِجالاتِ الدنيا، لأنه موقفُ حُبٍّ ووُدٍّ، وما يَصْدُرُ مِنَ الأَبِ فيه فإنه نابِعٌ مِن الصِّدْقِ، ولو كانَ غيرَ صَوابٍ، والأبناءُ المُكَرَّمون بالبصيرةِ همُ الذين يُدركون ذلك، ويستفيدون مِن أحوالِ آبائِهم، وهم الذين يقتَبِسُون مِن آثارِهم أنوارَهم.

عندما ارتَحلَ أبي، رضي الله عنه، وقدَّسَ رُوحَه بالجنَّةِ-، وانتقلَ إلى عالَمِ الغِيَابِ، صِرنا نعيشُ على تلك الباقياتِ من أخبارِهِ وآثارِه، نذكُرُ قَولًا قالَه، أو حكمةً سَاقَها، أو مَثَلًا مِن الأمثالِ فَاهَ بِهِ، فنقولُ بحرفٍ كلُّهُ أَسى وُحزْنٌ: صَدَقْتَ. وإذا ما مَرَّ موقفٌ مِن مواقِفِهِ مَعَنا، وتَبادَلْنَاه وتَنَاقَلْناه، أدْرَكْنَا كم كانَ بَصِيْرًا في الحياةِ.

لَمْ يكنْ قارئًا، لكنَّه قرَأَ الحياةِ، ولَمْ يَكْتُبْ كتابَ التعاليمِ، وإنما كُتِبَتْ مِنه التعاليمُ، ولعلَّ اللهَ يَسوقُ التوفيقَ للولدِ الضعيفِ -ذا-فيُتِمَّ على يديه كتابَ “إِيْناس الوَليدِ بأخبارِ الوالِدِ السَّعِيدِ“، ولَيْسَ إلا رُشَيْفَةً مِن بَحْرِ حياتِهِ، والذاكِرَةُ قَدْ مَكَرَتْ، إذِ النفْسُ قَدْ كَبُرَتْ.

إنَّ للآباءِ حديثًا ذو شُجونٍ، وحديثًا ذو فُنونٍ، وحديثًا فيه مِن جنونِ التعبيرِ ما فيه، إذْ قَد يقولُ الناظرُ في كلامِ الأبناءِ: مَهْ، وَيْحَ الحالُ، كيفَ يسوقُ الابنُ كلامًا كبيرًا عن أبيه، ليتَه يَسْكُتُ، فذاك كلامٌ كبيرٌ، وكبيرٌ جدًّا. وما عَلِمُوا أنَّ كلَّ كلامٍ مهما كان كبيرًا فهو صَغيرٌ إذا كانَ عن الأبِ، وللأبِ في القلبِ مكتبةٌ منَ القَولِ، يعجَزُ عنها كلُّ قولٍ.

مَا زِلْتُ أُشِيْدُ بِكَ فِي المجَالِسِ -عندَ ذِكْرِ حالِ الآباءِ، أو ذِكْرِ عِناياتِ جِيْلِكُم بالعلْمِ-كلامَكَ الذي حَكَيْتَ لِيْ فيه جُلُوسَكَ لِمَنْ يُسَمِّعُ عَلَيْكَ “زاد المُسْتَقْنِعِ”، ولستَ الحافظَ له، ولا المُشْتَغِلَ بِهِ، ولكنَّكَ كُلِّفْتَ بذلِكَ، لقدْ كنتَ -وكنتمْ ذاك الجيل-أنموذجًا فريدًا، فرَضِيَ الله عنكم، ورِحمَ الميْتَ، وحفِظَ الحَيَّ.

سلامٌ عليكَ أَبِيْ، وسرورٌ يَغْشَاكَ في جَدَثِكَ الحاوِيْ لجَسَدِكَ، وفِيْ رَمْسِكَ المُحِيطِ بِجِسْمِكَ، ورِضًى مِن الله يرفَعُك ويُرَقِّيْكَ، ورحمةٌ مِنَ الرحمن الرحيمِ كلَّ حينٍ.

أرْضَاكَ اللهُ عنَّا، وأرْضَى والِدَتِنا السعيدةَ عنَّا، ورَزَقَنا برَّكما، وبلَّغَنا مُنَاكُمَا.

الكاتِبُ له، عبدُاللهِ بنُ سُليمانَ بنِ عبدِاللهِ العُتَيِّق

الثاني والعشرينَ مِن شَوَّالِ سَبْعَةٍ وأربعينَ وأربعمئةٍ وألْفٍ (1447/10/22)

الرياض الميمون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى