بوحة الفكر

و في الفردوسِ فردوسٌ خالدٌ

لا يُبقي الزمانُ أحداً على حالٍ، سُنَّةُ الكون بتدبيرِ مُدبِّرِهِ الأعظمِ، اللهِ جلّ، و لا يدوم شيءٌ على صُورةٍ واحدة، و إنما تتعاقَبُ الإنسانَ في الحياة المتناقِضاتُ و المُتضاداتُ، ليكون له كلُّ شيءٍ حاصلاً، فيكون بذلك مُستكمِلاً كمالَ الوجودِ، و باقٍ عليه في كلِّ ذلكَ ما يُعمِلُ فيه تلك الأحوالِ ليكون في حال الشهود.

الموتُ مرحلةُ اكتمالٍ لمسيرة الحياة، و ليس قطعاً للحياةِ أو إفناءً لها، إلا في عقلِ الإنسان الذي لم يُدرك أسرار الحياة، و لم يعرف جوهرَ الموتِ، لذلك تمنَّى قومٌ الموتَ، كثيراً لأنهم أدركوا جوهره، بعضٌ منهم.

سرَقَ الموتُ منَّا من هم نبض الحياة، و مَن هم جمال الحياة، فأبقانا بعدهم في حالٍ من الحُزن، الله به عليم، تشتاقُ إليهم القلوب، و تستديم الأنفُسُ الحُزنَ، و لا تقفُ بصيرةُ العين عن إرسالِ معنى الدمع، و إن كانت العَيْنُ قد جَمَدَ دمعُها، فلم تَسِلْ منها قَطرة،  و لا لوم.

في فتراتِ الحياةِ، عِشْتُ كثيراً بين أناسٍ ماتوا، مِنهم من أماتَ نفسَه بغيابٍ وهو حيٌّ باقٍ، فمن منحَ ظهراً لا يُمنحُ وجهاً، و لا سَعيٌ خلفَ غيرِ آبٍهٍ، و منهم مَن أماته الموتُ،فرحلوا عن حياتنا هذه إلى حيواتٍ أُخَر، حياة البرزخ بكل معانيها التي ينالونها، و هم نائلون خيراً، لا يُسترابُ في ذلك، فما كان الله ليصطفي بشراً ليكون في ضميمةِ أُمةِ الكمال البشري فيخذلَه في لحظاتِ ترْكها، و ما شهادةُ الناسِ إلا وثيقةٌ، و حسبُنا ” أنتم شهداءُ الله في أرضه “.

يوم الإثنين، الممطر، 2/6/1433، يومٌ أدركنا فيه حالاً من حالاتِ الفواتِ بالموت، حيث ألمَّ الموتُ بروحٍ تحملُ بين جنباتها عالَماً من الناسِ و أحوالهم، و تمتلئُ بالكثير من أمور الحياة و تجاربها، التقطَ الموتُ، بالقدَرِ، روحاً كانت لكل روحٍ عرفتها روحَ روحها، و كانت تعني الشيءَ الذي لا يُمكن وصفه، لستُ مبالغاً، فمن عرفَ لمْ يلُمْ، و إن بالغَ أحدٌ في تأبينِ ميِّتِهِ فلا يلومه عاقلٌ حصيفٌ، فللأسى أعذارٌ يُدركها الكرام.

استوفت عمتي، شقيقةُ أبي، نصيبها من الحياةِ، ففاضت روحها إلى حياةٍ هي أكمل لها من هذه الحياةِ الأولى، المُدرَكَة، لتكون في حياةٍ تتأهَّبُ لحياةٍ أدومُ و أطول، كان ذلك اليوم يوماً شهدنا فيه طوائفَ الناس، و فئامَ البَشر، و أصنافاً ممن نعرفُ و ممن لا نعرفُ، على أرضِ المسجد، و على رُفات المقبرة، و في جنباتِ البيتِ الحزين، كلهم ينعى، و كثيرٌ منهم تُبلِّغُنا نعيَه دمعته الجارية، و آخرون لائذون بالصمتِ، إذ الصمتُ له صوتٌ أبلغُ بياناً، و كلُّ من نطقَ حينها فالناطقُ صمتُه.

كتبتُ عن هذه العمةِ، قبلُ، كتابَةً، لم، و لن، تستوفِ شيئاً مما في النفوس لها و عنها، [هنا: http://alotaig.com/?p=565 . ” عمتي، فردوسُ الحياة” ]، و أكتُبُ الآنَ عنها، أُعزِّي نفسي بها، و أعزِّي نفسي أُخرى بها، و مراراً لا تنتهي، فلم تكن عمةً،  و لم تكنْ أُمَّاً، و لم تكنْ جدةً، و لم تكنْ خالةً، بل كانت للكثيرين أنفسهم، إذْ كانتْ هي أنفسُهم نفْساً.

قُبلةٌ على جبين الطُهْرِ بعد إتمام التغسيل و التكفين، كان جبيناً بارداً، و كانَ ليِّناً، كما كانتْ في حياتها، كانت في هدوءٍ و سكون، كما هي، لم تُزعجها تقلُّبات الحياة، كانت تمتلك قلباً بارداً حيثُ أدرك أن الأقدارَ برداً، فأسلَمتْ للهِ حالها فكانت الحياةُ سلاماً، فَنَعِمَتْ، و تنعَّمَتْ.

قبَّلها قبلُ، خال أمي، زوجها، فنطقَ صِدقاً: طِبْتِ و طابَ ممشاك أمَّ صالح، طيبة إن شاء الله. فغلبته عينه، و حُقَّ لها، و حُقَّ لعينٍ بعدها سالَ دمعها أن تجمُدا. و جرى الدربُ لجمْعٍ يُقبِّلونها، فقد كانت تُقبِّلُهم، و قد كانتْ قد قَبِلَتهم في حياتها، فلن ترُدَّ أحداً في وفاتها، كرمٌ في كل أحوال الحياة، و قد كانت مقبولةً محمودةً مأنوسةً، فلا جعل الله ذاك الثرى إلا مقبولاً لديه.

لستُ شاعراً، و لا أعرفُ وزنَ الشعرِ لأحاوِلَ الشعرَ، و لكنني أُتقنُ رصفَ الحروفِ صفاً صفاً أُكوِّنُ منها تعبيراً، قد يفي بالمكنون في النفسِ، و لو كنتُ شاعراً لكتبتُ ما يختلجُ على سُطورٍ بِيْضٍ، و حسْبي أنني هكذا، و الشِّعرُ معنى، و النثرُ خدين الشعرِ، و العبرةُ فيهما بما فيهما لا ببنيانهما. فلْيَعْذُرني الأفاضل.

لا يموتُ أحدٌ إلا و تسبِقُ الإشاراتُ الكونية تُنيئُ عن موته، و الرؤى من أحوالِ الإنسانِ، أُدرِكَتْ وفاتها منذ أشهرٍ، حين ألمَّ بها المرضُ، فكانت نفوسٌ متهيئةٌ لذلك القادم في انفلاتِ روحها من الحياة، و قبل وفاتها بفترةِ أسابيع كانت رؤى، كما كانتْ هناك رؤى صبيحةَ الإثنين، فلا تموتُ نفسٌ فجأةً مُطلَقاً، و هذه حالٌ أُدرِكَتْ كثيراً، بل لا يُصابُ أحدٌ بمكروهٍ عظيمٍ إلا و تسبقُه إشارةٌ بذلك، إليه أو إلى أقربِ الناسِ إليه. كان إخوتها في الرؤى، بعضها، ينتظرونها في أجمل أُبَّهَةٍ، و في أكمل حالٍ، و كانت إشارةٌ ذاتُ بشارة. و حالُ وفاتها كان بشارةً، فكانتْ مبطونةً، و كانتْ في يومٍ مبارك، و كانتْ في حالِ نزولِ مطَرٍ حديثِ عهْدٍ بربِّه.

أعترفُ أنني هنا أضعف ما أكون في الكتابةِ عنها، فلم أكن بذاك الذي كتب سابقاً عنها، و لا بالذي تكلَّم عنها كثيراً، فأعتذرُ إلى روحها المباركة، و أعتذرُ إلى كلِّ مَن يخفقُ قلبُه في حُبِّها، و من كانت، و لا تزال، تحملُ في قلبها حباً لهم.

ها هي الأيامُ مرَّت، و قد تحلَّلَ الجسدُ رُفاتاً، كعادةِ مَن يموت، إلا مَن يُستثنى، و بقيَتْ روحها مذكورةً في مجالسِ المحبين بالخيرِ، و باتتْ في النفوسِ منقوشَةً كامرأةٍ استثنائية، نادرٌ في الناسِ مثلها، تمرُّ بي لقطاتٌ من شريطِ ذكرياتٍ معها، و كأنها وميضٌ يخطف الأبصار، و أستحضرُ دوماً قول أبي الطيب المتنبي:”نصيبك من حبيبٍ في حياةٍ، كنصيبك من خيالٍ في منامِ”، أحقَّاً كانتْ كَحُلُمٍ مرَّ؟!. و أتذكرُ في حالِ الدَّفْنِ، و السماءُ تُشارِكنا بدمعِ السحابِ، قول الربِّ الأعظم، ” فما بَكَتْ عليهم السماءُ و الأرضُ “، فكُلُّ مَن وقفَ حياتَه على كمالِ الإيمان، و على صِدقِ الانتماءِ إلى الله تفقدُه أرضُه و سماؤه، ثم أبوحُ في كلِّ أحوالها، من حين المرضِ إلى حينِ الرحيل، بـ ” حُقَّ لِعَيْنٍ سالَ دمعها أنْ تجمُدا”، فلا أحدٌ سيُذرف له الدمعُ بعدها، فعذراً، للجميعِ، الذي سيرحل، فدمعٌ ذرفته عيني لها لا يُذرفْ أُخرى لغيرها، فقد كانتْ الكُلُّ، و لن يكون، كما لم يكنِ، الكُلُّ هيَ.

هذه هي حروفٌ عن تلك العظيمة التي رحلَت، و رحلَ معها ندائي بـ: عمتي، فلا أملِك أحداً أقول لها تلك الكلمة، و فقدتُ، كما فقدَ الكثيرون، عبارة الترحيب: هلا و الله بِولد أخوي، بفلان، بأبي فلان، هلا و الله. ذهبت تلك الكلمات، كما سيذهبُ بعدها اتصالنا بهاتفها المحمول، كما ذهبَ أيضاً الأمان الذي نشعرُ به حينما نتصلُ بها، صوتاً أو لقاءً.

أستودعُ الله تلك الروح، و ” الله إذا استُوْدِعَ شيئاً حفظه”، و أستأمنه عليها، فهو المحيط بها حفظاً و رعاية، و أستودعه كلَّ أحبابها و محبيها، من ذريةٍ و قرابةٍ و معارفَ، أعانكم الله جميعاً على مرارةِ الفقد. و لتَنْعَم الفردوسُ بفردوسٍ خالدٍ فيها، فرحمةُ اللهِ أسبَقُ و أوسعُ، و لَن نعدم مِن ربٍّ رحمن رحيمٍ خيراً.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى