تعاليم العظماء

(8) المواهبُ إرادة

(8)

المواهبُ إرادة

ليس من موهبة عظيمة دون إرادة عظيمة.

أونوريه دي بلزاك

أن يملِك الإنسانُ موهبةً فهذا شيءٌ عظيمٌ، و أن تكون هذا الموهبةُ عظيمةً فهو شيءٌ أعظم، و الأعظم من ذلك أن تتحقَّقَ، و لا تتحقَّقُ الأشياءُ، و لا تظهرُ المواهبُ إلى عالَم التحقيقِ و الشهودِ إلا بالإراداتِ العظيمة.

الإنسانُ اِبْنُ إرادته، فبِقَدْرِ الإرادةِ يكونُ معناه، و تكونُ قيمته، و تَبدو حياتُه مشهودةً، فكم من مواهِب لدى أُناسٍ ماتتْ لأنَّ أصحابَها لم يُقيموها بالإرادةِ ظاهرةً، و لم يَصنعوا حضورها في عالَم الواقع.

ليست الإرادة مُجرَّد شعورٍ يَشعُرُ به الإنسان نحْو شيءٍ، فهذا يتَّفقُ عليه الكثيرون، و يشتركون فيه، فلا فضْلَ لأحدٍ على أحدٍ بإرادةِ القلب، إنما هي إرادة الإقدام، الإرادة العملية، التي يَخطو بها الإنسانُ خُطواتِه ليجعلَ موهِبَتَه في عالَم التطبيقِ و التحقيق.

الإنسانُ العظيمُ هو ذاك الشخص الذي إذا أرادَ سَعى، سعى راسماً خريطته نحو غايته، واضعاً معالم الطريق، مُنطلقاً بعزيمةِ الواثق، عينه على النهايات، مُستعملاً كلَّ مُمكناتِ حاضره، لا يترُك باباً إلا طَرَقَه، و لا طريقاً إلا سلَكَه، إرادةُ العظماءِ فِعْلُ.

الإرادةُ الفِعليَّة هي البُرهانُ للموهبة العظيمة، فمَنْ قالَ بأن لديه موهبةً قيلَ هاتِ إرادتك، فإن جاءَ بالإرادةِ ثبَتَتْ الموهبة. و لعلَّه مِن جميلِ أحوالِ الإرادةِ أنَّه لو كانت الموهِبَةُ دعوى من الإنسان، و هو لا يملكها، و لكنَّه أرادَها فِعليَّاً، أنها تتحقَّقُ له، و تَسْهُلُ عليه.

عندما نُريدُ في الباطنِ فتنتقلُ الإرادةُ إلى فعْلٍ في الظاهرِ فإنَّ الموهبَةَ ولاَّدةٌ، فتصنَعُ الموهبةُ مواهِبَ أُخَر، فتكْشِف للإنسانِ من خبايا المواهبِ لديه ما لم يكن يعْلَمُ بِهِ، و لولا الإرادةُ الفعليَّةُ التي حرَّكَتْهُ لما كان لهذه المواهبُ أن تظهرَ.

كلُّ شيءٍ بإرادةِ الإنسانِ، بالإرادةِ الفِعْليَّةِ، فالإرادةُ هي صانعةُ أقدارِه، فالأقدارُ بالسعْي، و المواهبُ إنما هي إرادة.

2015/5/8

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى