حينَ قال رسول الله ﷺ: “أما أنا فلا آكل متكئا”، هو بذلك ينفي عن نفسِهِ جِلْسَةَ أهْلِ الكِبْرِ، فهم الذين يأكلونَ مُتَّكئيْنَ، والكِبْرُ حالَ الطعامِ من أقبَحِ الكِبْرِ، لأنه كِبْرٌ في موضِعِ حاجةِ الإنسانِ وافتقارِهِ إلى طعامه، ويعظُمُ إذا كانَ كِبْرًا على الجالسيْنَ معه، وقبيحٌ بذيْ الذَّوْقِ أن يكونَ في جِلْسَتِهِ في مجلِسِ جماعةٍ على خلافِ ما هم عليه، بحالٍ أشبَهَ بالترفُّعِ عنهم. بل ذُكِرَ أنَّ هذا فيه تشبه بالشيطان في جلسته.
والاتِّكاءُ هوَ مَيْلُ الإنسانِ إلى أحدِ جانبَيْه مُعتمِدًا عليه، وأيضًا قد يُشيرُ إلى استخفافِ الإنسانِ بالنِّعْمةِ الممنوحةِ له، وإكرامُ النِّعَمِ وتعظيمُها بالأدَبِ معها وعليها، بل قد يكونُ الأدبُ هو لُبُّ شُكرِها.
وهنا إشارةٌ نفيسةٌ دقيقةٌ في الإرشاداتِ الأدبيةِ أن الإنسانَ ينظُرُ لنفسِهِ ويُراقبُها من ناحيةِ آدابِها وأخلاقها، ففي ذلك من لطائفِ الآدابِ أن التنبيهَ عليها تحصينٌ وصَونٌ للإنسانِ من الوقوعِ في محذوراتٍ أكبرُ من الإخلالِ بها، وكثيرًا ما يكون الإنسانُ غافلًا عن ذلكَ، فيقَعُ في الإخلالِ بالآدابِ، ووقوعُه يُوحيْ بأنَّه ممن يفعلها بقصدٍ.
الإنسانٌ لن يكتَسِبَ أدَبًا إذا التمَسَ لإخلالِهِ بالأدَبِ اعتذارًا وتبريرًا، والأدبُ قِوامُ كلِّ شيءٍ.