مقالاتٌ

العقل القانوني خارج الصندوق

 

مما يجدُرُ الاهتمامُ به أن القانونيَّ إنسانٌ يجبُ، وليسَ ينبغي، أن يفكِّرَ خارجَ الصندوقِ، فهو يقيمُ رُوحَ القانونِ، ويلتزِمُ مقاصِدَه، وليسَ هو إنسانٌ تنفيذيٌّ يسيرُ حّذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ على ما يُصاغُ. وما يُصاغُ هو معالِمُ لمقاصِد، تلك المقاصِدُ تتحقَّقُ كثيرًا بتلك المعالِم المَصُوغَة، لكنَّ القليلَ منها ما يحتاجُ إلى أن يُصاغَ بطريقةٍ مختلفةٍ، وهذه الطريقةُ هي التفكيرُ خارج الصندوق.

إنَّ القانونيَّ حينما يقومُ بعملٍ مَّا في شأنِ قضيةٍ يسعى إلى إبراز روح العدالةِ فيها فإنه يحتاج إلى نظرٍ مختلفٍ تمامًا، نظرٍ ليسَ كأيِّ نظرٍ، بل نظرٌ في أبعادٍ أعمَقَ في القضيةِ محلِّ النظرِ، فلا ينطلق مثلَ غيرِهِ، فحتمًا سيسيرُ في ذات الطريقِ، ثم ينتهي به الطريقُ إلى ذاتِ الغايةِ، وهنا يغيبُ الامتيازُ الذي يجبُ أن يكون أحدَ الأهدافِ عند القانونيِّ.

في “طبقات الشافعية. 3/446” ذكْرُ حادثةٍ حصلَت لأحد قُضاةِ مِصْرَ، وهو أب عُبيد بن حَرْبَوَيْه، فقال المُدَّعى عليه: ما لُهُ عليَّ حقٌ، بضمِّ اللام. فقال القاضي: أتعرفُ الإعراب؟ قال: نَعم. قال: قُم، قد ألزَمتُكَ المالَ!

نجد القاضي هنا خرجَ عن الصندوقِ الذي يُفكِّرُ فيه القضاةُ عادةً، وهو الإثباتُ بالبينة واليمين، وانتقل إلى إثباتٍ آخَرَ، لم يكن طارئًا على عقْلِ المُدَّعى عليه ولا المُدَّعي، وكانت النتيجة أن انتهى إلى الحقِّ الذي يريده.

إن القانونيَّ إنسانٌ مختلف، ومهنتُه مختلفةٌ جملةً وتفصيلًا عن مِهنةِ غيرِه، ليس لذاتها، وإنما لما تحملُه من أمورٍ تتمُّ بها غالبًا، والغالبُ هنا قد لا يُخرِجُ شيئًا، فالقانونيُّ في تفكيرِه خارجَ الصندوقِ بحاجةٍ إلى معرفةٍ بأنواعِ العلومِ؛ من شرعيةٍ ولغوية وعقلية، وإلى معرفةِ طِباعِ وأحوالِ  الناسِ، وبحاجةٍ إلى إلمامٍ بلغاتِ ولهجاتِ ألسنتهم، وكذلك العادات، ومعرفةٍ بالقوانينِ الأُخرى، وبالأمور الاقتصادية والمالية، ومهارات الاتصال والتواصل، وكلُّ ما يتعلَّقُ بالواقِع الإنساني، فالقانونيُّ اجتماعيٌّ معرفيٌّ اقتصاديٌّ سياسيٌّ، وغير ذلك.

كثيرًا ما يكون تميُّز القانونيينَ من خلالِ تفكيرهم خارجَ الصندوقِ المعروفِ، فلا يوجد قانونيٌّ تميَّزَ وهو يُفكِّرُ في ذاتِ الصندوقِ الذي يُفكِّرُ فيه الآلافُ من القانونيين، بل هو فكَّرَ وهو في عالَمٍ آَخَر.

قال أحدهم مرةً: إذا أردتَ دراسةَ قضيةٍ فاجعلها في أوراقٍ ذاتِ حجمٍ كبيرٍ، A3، وضع كل ورقةٍ على طاولة، بجانبِ بعضها، ثم ليقرأ مجموعة من الفريقِ المكوَّن لدراستها الأوراقَ، ورقةً ورقةً، ومِن شرطٍ الفريقِ أن يكونوا مختلفينَ في أنماطهم التفكيرية، فسيخرجون بعدةِ تفسيراتٍ وتحليلاتٍ للقضية، ثم بعد ذلك تُدرَسُ تلك التحليلاتِ، وتُقام مناقشة -كالمحاكم-لها، فستخرُج بعد ذلك بتصورٍ دقيقٍ، وترافُعٍ عميقٍ، وتدليلٍ وثيق.

سبيلُ القانونيِّ إلى التميُّزِ والإبداعِ والابتكارِ هو في أن يُغرِّدَ خارجَ سِرْبِ غيرِهِ، ليكُنْ أُمَّةً لوحدِهِ ليكونَ كذلك.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى