مقالاتٌ

“مباهجُ العلم” تَصْدِيْرُ الصِّغارِ

مما رسَخَ في قانونِ العلمِ ومِنْهاجِهِ أنَّ العلمَ يؤْخّذُ عن الكبارِ، والكبارُ يُعنى بهِ الكبارُ علمًا، فإذا انْضَمَّ إليه كِبَرُ السِّنِّ كانَ أعْودَ بأثرِ العلمِ، إذا طالتْ ممارسَةُ صاحبِهِ للمطالعةِ في العلم والنظَرِ فيه، وأما إذا كانَ الكِبَرُ معَ بقاءِ العلمِ على صورتِهِ الأُوْلَى، وكانَ مَن هو أصغرُ منه سِنًّا فاقَهُ في العلمِ، فالتقدِيْمُ لِمَن صَغُرَ، لأن الاعتبارَ بحقيقةِ العلمِ لا بصورتِهِ.
إذا تقرَّرَ هذا فما ضاعَ العلمُ بينَ ناسٍ إلا بسببِ أنْ اعتبروا الكِبَرَ كِبَرَ الأعمارِ لا العلومِ والفُهُمِ، فصُدِّرَ صِغارُ العلومِ، قِصَارُ الفُهومِ، وأُقْصِيَ الكِبارُ فيهما، حينها آلَتِ الأمورُ والأحوالُ إلى سوءِ المفاسِدِ والآثارِ، وجُنِيَ على العلمِ والناسِ بسببِ ذلك.
إنَّ صِغارَ العلمِ لا يخلو منهم زمانٌ البَتَّةَ، فهم دائمونَ متجدِّدون، يُحدِثُهم الزمانُ لِما فيه من عيبِ ناسِهِ، فيُحْدِثُونَ الحدَثَ الأكبرَ، المُفْسِدَ لحياة الناسِ وعقولهم، والعائد بالأثرِ النَّشازِ على الأديانِ، والشاهدُ قاطِعٌ بذلك. ويعظُمُ هذا السوءُ حينما تكون للصغارِ يَدٌ واصِلةٌ مُهَيْمِنةٌ، تقضي بالضررِ على كلِّ مَن حادَ عن سَنَنِهِا، أو ظُنَّ فيه أنَّه ليسَ على جوادِّهم.
لِعَظَمِ خطَرِ هؤلاءِ، وأنهم من ذوي الأرباعِ في العلمِ، دَرَجَ الأوائلُ على بيانِ مناهجِ العلوم، وبيَّنوا معالِمَ الرسوخِ فيها، وفَصَلُوا بين العلمِ وبينَ أُمورٍ أُخَر لا علاقة لها بالعلم، كلُّ ذلكَ لأجلِ صيانة العلمِ من أن ينالَه الصِّغارُ فَيَطالُه الصَّغارُ، فرسموا مدارِجَ المناهجِ، وألزموا الطالبَ بسَلْك القواعد، ليكونَ سائرًا على بصيرةٍ في العلم، وعارضًا العلمَ على بيِّنةٍ وثقةٍ.
تصديرُ الصِّغارِ في العلم لا يكونُ إلا زمَنَ صَغارِ العلم، حينما يستلمَ رايةَ العلمِ مَن حظُّه من العلمِ قُوَيْلَ فُلَيْنٍ من النَّسْناسِ، أو رُاَيَّ ذُوَيْكَ الرُّجَيْلِ من الشامِّيْنَ رائحة العلم، رائحةِ ظِلالِهِ لا حقيقته، فيسوقُ مسائلَ العلمِ سَوْقَ الراعيْ، وكأنه فيها على مثلِ الشَّمْسِ للبصيرِ، وما هو إلا كما هي للضرير، فيقولُ بعدما يصولُ في تنقيبِ سَطْرٍ، يظُنُّه طِرْسًا، ويجولُ باحثًا وكأنَّه ألَمَّ بمعاقِدِ آلات النظَرِ، وما هو إلا مالكًا آلةَ البَصَرِ ليسَ إلا، فحدُّهُ إجالةُ ناظرِيه، أو نظرًا واحدًا، فيما مَرَّ عليه، وغايةُ الفَهْمِ عنده للفْظِ، وإن جازَ ما فازَ.
إنَّ واقِعنا العلميَّ البئيسَ مليءٌ بالكثيرين الذين تَصَدَّروا للعلمِ وهم صِغارُه، وقِصارُ فَهْمٍ، لكنَّهم لا يُلامونَ إذ ما وجدوا مَن دُلَّ للعلمِ، وما كُلُّ طارقٍ للعلمٍ وطالبٍ له مُوفَّقٌ له، إنما العلمُ بالتوفيقِ، فإذا كانَ من اللهِ توفيق للطالبِ نالَ المطالبِ، ولذا فإننا نرى كثيرًا من صِغارِ التصديرِ كثيرٌ منهم الخللُ العلمي، وليتَ الأمرَ وقفَ على هذا بل إننا نراهم يُنافحون عن الخطأ منافحةً توحي بأنَّهم نالوا بيقين الوحي الأمين، وإنَّ الأمْرَ لو نقَّبَ فيه مُوفَّقٌ للعلمِ لا يتجاوزُ أن يكون جرى فيه خلافٌ، أو مِن مسائل العلم الصِّغار.
من مظاهرِ ذلك أننا نجدُ خوْضَ الصِّغارِ في العلومِ الكِبارِ بِصغارِ الفهومِ، ومِن ثَمَّ يُناطحونَ الكبارَ في العلمِ في كبارِ المسائلِ ولمَّا يَتَزَبَّبُوا، ولمَّا يَعتري جِلْدَهم رِيْشُ السَّتْرِ، وحالهم عند بَيانِ العَوراتِ رُكوبُ ظهورِ الاعتزازِ بالإثم، ففسادُ العلم لديهم أولى من أن يظهروا بمظهرِ الضعْفِ والخلل في العلم، وهذا بسببِ فُقدان أدب العلم، وهو من الأمور التي اعتنى بها الأوائلُ في بيانِ معالمِ العلمِ ليكونَ الآخِذُ به آخِذًا له على جادةِ التعظيم.
وفي كلِّ وادٍ من العلمِ نجدُ الصِّغارَ ألبَسُوا العلمَ صَغارَا بسببِ جهلهم، وتجرأوا على قضاياه، بعدما خاضوا بِقِحَةٍ ميادين القَدْحِ بأساطين العلوم، فلا يخلو علمٌ من علوم الأديانِ -وهي أبْيَنُ ما تَصَدَّرَ فيها صِغارُ العلمِ-من أُغَيْلِمَةِ العلوم، وكأنَّ البعيدَ الذين لم يُخْلَقْ جدُّهُ بَعْدُ لو اطَّلَعَ على ما وَرَّثُوه لظنَّهم بلغوا عَنانَ سماءِ العلم، ولو علِمَ كعِلْمنا لعرفَ أنَّ سماءَ أحدِهم -أو كلِّهم-موطئٌ.
إنَّ الصِّغارَ ما تَصَدَّروا إلا بسببِ أحدٍ أزَّهم إلى ذلك، فأرِزُوا إليهم، فَوَزِرُوا بما فعلوه، وِزْرًا لا ينقطِع، لأنهم سَنُّوا سُنَّةَ سوءٍ في الناسِ، عادتْ على أديانهم بالمَضَارِّ والمفاسد، ولو رَعَوا حقَّ العلمِ لما صَدَّروا أحدًا إلا بعدَ امتحانٍ لعلمِهِ وفهمه، واختبارٍ لموقفهِ من مُعْضَلِ العلمِ ومُشْكِلِهِ، لا بمجرَّدِ أنهم رأوه ثانيَ الرُّكَبِ في مجالسِهم، وكم من ثاني الرُّكَبِ قد ثَنى عِطْفَه، وثُنِيَ عقلُه، فقلَّ فهمُه.
هذا كلُّه يجعلُنا نعيدُ النظرَ في سُوْحِ العلمِ، فليسَ كل مَن جلسَ في صَدْرِ المجالسِ هو جالسٌ في مقامِهِ، وإنَّ كثيرًا منهم -كثرةً تكادُ تكونُ مُستغرِقةً-مقامهم في المكانِ الآخر.
ولْيُعْلَم أن العلمَ غَيورٌ، فلا يقبلُ من أحدٍ أن يخوضَ ميدانَه وهو خِلْوٌ من إيمانِه، ولا يدخُلَ مِحرابَه دونَ آدابِه، ومَن كان كذلك فَضَحُه العلمُ بِصغارٍ الأسنانِ كِبارِ العلومِ والفهوم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى