بوحة الفكر

شوق الحياة: (3) السكينة

السكينةُ مطلبٌ إنساني، لا يستغني عنه أحد، و لا تكون الراحة إلا حيث تكون السكينة، و بوجود السكينة يوجد الكثير من الأشياء الجميلة في الحياة، من الرحمة و المحبة و الهدوء و الطمأنينة و الرضا و السعادة.

كلٌّ يطلب السكينة و يبذل ما يقدر عليه من أجل أن يجدها، و السكينة ليست شيئا خارجياً حتى تُطلبَ في الخارج، و إنما هي شيءٌ داخليٌّ، موجود في ذات كل إنسان، و لكن الناس يتفاوتون في إدراك السكينة و تحصيلها و معرفتها، و من ثَمَّ تنميتها و ترقيتها.

السكينة الداخلية تظهرُ في الجسد و تصرفات الإنسان و سلوكه حينما يكون واثقاً من مدى وجوده، و عارفاً بقيمته كإنسان في هذه الحياة، وهذا يعني أنه يجب عليه من أجل أن يشعر بالسكينة أن يعرف ماذا يريد، فالمعرفةُ و العلم سبيلان للسكينة، المعرفة بكل شيء يتعلق بحياة الإنسان، و المعرفة بكل أمور الحياة، و السكينة بقدر المعرفة، إن كثُرتْ المعرفةُ كثُرت السكينة، و إن قلَّتْ المعرفةُ قلَّت السكينة. الإنسان حينما لا يعرف من يكون، و ماذا يريد، وماذا يُراد منه و له و به، لا يُمكنه أن يشعر بمشاعر السكينة، لأنه سيكون تائهاً، و التوَهانُ ضرْبٌ من ضروب عدم السكينة.

الثقة بالذات وقُدراتها من أهم ما يُحقق السكينة، لأن الواثقَ يكون ثابِتَ الخَطْوِ، راسيَ المَشْي، و غير الواثق لا يكون إلا متذبذبَ الخطوات، مائلاً عن سواء الطريق.

كذلك تكون السكينة الداخلية متحققةً حينما يجد الإنسان طعماً ولذة فيما يقوم به، فذلك يعني الرضا، و الرضا لا يكون إلا من قناعة، و القناعةُ لا تكون في شيءٍ إلا إذا غلبت مصالحه على مفاسده، و منافعه على مضارِّه، فالتلذذ في الأعمال يعني الحبَّ لها، و الحبُّ يدفع الإنسان للإقبال عليها، و الإقبال المنبعث من الحب يُحدثُ الإتقان و التجويد لتلك الأعمال، و عندما يقوم الإنسان بعمله مُتقنَاً فإنه يجد سكينةً و راحةً بعد ذلك، حيث أن ضميره لن يُؤنِّبَه على تقصير غير مُتعمَّد.

السكينة الداخلية تنبعث من إيمان صادق بما يحمله الإنسان و يؤمن به، لأجل هذا يكون مستعداً لبذل الكثير من نفيس ما يملك من أجل ما يؤمن به، وهو في كل ذلك راضٍ طيِّب القلب، وما هذا إلا لأجل قوة ما يجد من السكينة، و ما كانت هذه السكينة إلا بسبب قوة ما يجد من إيمان خالج قلبَه حتى أشعرَه بلذة الألم في سبيل ما يؤمن به.

السكينة الداخلية شيءٌ أساسٌ في الإنسان لتحقيق السكينة الخارجية التي هي مشاهدُ السكينة الداخلية، و تكمن في الثقة و اليقين بما عليه الإنسان، و عدم الخوف أو التردد من أي شيء في الحياة، فيُقدِمُ الإنسان على فعل ما يريد إذا كان خادماً لما يحمله دون تردد أو وَجَلٍ. و بدون السكينة الداخلية فإن السكينة الخارجية ليست إلا صورة فقط، ربما تزول مع أقربِ عارضٍ يَمتحن قوتها، كما أشار الله في القرآن ” ومن الناس مَن يعبُد اللهَ على حرْفٍ فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين” فإيمانه مرتبط بمصالحه لا بما يحمله من إيمان قلبي صادق، فالإيمان صورة و ليس حقيقة، فلا سكون في الصور.

عندما تتحقق لنا السكينة و نجد طعمها و لذتها فإننا سيتحقق لنا الكثير من الأمور الشعورية الداخلية، مثل الرحمة و المحبة و غيرها مما يكون تابعاً و مندرجاً و نتيجة لهاتين، و الله أشار إلى ذلك حين قال: ” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون” فالسكون حينما يتحقق يتحقق بعده التودُّدُ و الرحمة، لأنه لا يمكن، أو من الصعوبة بمكان، أن تكون مودة و رحمة دون سَكَنٍ إلى المودودِ أو المرحوم. فحينما تحصل السكينة في الإنسان، و يتحلى بها سيكون عامراً ذاته بالمودة لكل شيء في الحياة، و بالرحمة بكل شيء في الوجود، فالسكينة بابٌ واسع نحو حياة الأنْسِ و الاطمئنان.

الحياة جميلة، و تحمل لنا الكثير من السكينة، و تُبشرنا بالأكثر منها، لذلك يحدونا الشوقُ إليها إلى أن نبحث عن السكينةِ مظانها، و أن نتتبعها أينما كانت، و ألا ندَّخِرَ جُهداً في الحصول عليها، فشوق الحياةِ ليس إلا مكنون السكينة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى