التحدي هو الذي يحول الشيء من “كما هو ” إلى “كما يريد”
عبد الله القصيمي
الإنسان في حياته يعيش من أجل الوصول إلى أشياء ارتسمت فيه من خلال الطبيعة أو من خلال العقل، و يبذل القُصارى لديه ليصل إليها، حتى لو بذل كل ما يملك. تواجهه صِعابٌ و شدائد، و تعترض طريقه معيقات تمنعه من المواصلة، و هو بفطرته لن يقف، فالإنسان كائن متحرك حيٌ، لا يقف عند حد، حتى و إن وقفَ عند شيءٍ من أهدافه عند نقطة لم يُتمَّ تواصلَه، إلا أنه في أهداف أخرى لا يقف، بل يكون مصمماً بعزم لا مثيل له لإتمام ما يريد.
في تلك الحال يعيش الإنسان حالات من التحدي، تقوم أمامه لتُرْجِعَه إلى الوراء، و لِتَقْطَعَ سبيله عن الإكمال، و هنا ستبدو قوَّته و قُدرته في خرْقِ تلك المواجهات. التحدي من أحْكَمِ قوانين صناعة الحياة، لأن الإنسان من خلاله سينتقل من رؤية الشيء معدوماً إلى رؤيته موجوداً، فهو بالتحدي يُوْجِد المعدوم، الممكن إيجاده.
التحدي من أعظم الأشياء التي تجعل الإنسان يتوق إلى البقاء في الحياة، فحيث أن فيه غريزةَ البقاء فهو سيكون في تحدٍّ لأجل البقاء، إما البقاء الدائم و إما البقاء الوقتي المقيَّد بشيءٍ مَّا رامَ الوصول إليه. فبذلك فهو في حالة التحدي المتواصلة، لا تنقطع إلا بانقطاعه عن الرغبة في البقاء.
حيث كان التحدي جوهر الصناعة للحياة، كان من اللِّزامِ أن تكون هناك معالم في قيادته:
أولاً: أنه على قدر التحدي تكون المواجهة. حينما يُعلن الإنسان تحدِّيْهِ في تحقيق شيء، مهما كانت العوارض، فإن المواجهة ستكون بينه و بين تلك العوارض بقدر التحدي، فإذا كان التحدي قوياً كانت المواجهة كذلك، و كذلك حينما يكون ضعيفاً. فالتحدي و المواجهة سيكونان في درجة قوةٍ واحدةٍ، ومن ثَمَّ يكون التميزُ بالزيادة فيها لتحقيق الغلبة عند بداية الحرب بينهما. لا يمكن أن يكون أحدهما أقل من الآخر، لأن التحدي مواجهة بين قوتين، و القوتان بقدر ما لديهما، سواء حقيقةً أم ادِّعاءً.
ثانيا: لا يكن التحدي إلا في العظائم. الحياة قصيرة، و العظائم كثيرة، فلا يُصرف التحدي في الحياة إلا لتحقيق الأشياء الكبرى، التي تصنع شيئاً له أثرُه الباقي الدائم. أما التحدي من أجل تحقيق أمور و أشياء ليست بتلك العظمة، و ليست بذاك الأثر فهو أشبه بتضييع الجهود و الإمكانات، فالتحدي رأس مالٍ يُدخَل به للاسترباح لا للاستخسار.
ثالثا: التحدي الذاتي أولا. التحدي لإثبات الذات و صناعتها هو الطريق إلى التحدي لصناعة الحياة، فالبداية به أهم و أوْلَى من أي تحدٍّ آخر. كثيراً ما نفشل و نخسر في التحديات الخارجية بسبب أننا فشلنا و خسرنا التحدي الذاتي، حينما نربح التحدي الذاتي يكون ربح التحدي الخارجي أسهل كثيراً، و السبب في ذلك أن الربح الذاتي يُعطينا الوسائل للربح في التحدي الخارجي، فالخارج مُتَصَوَّرٌ من داخل الإنسان، و ليس شيئاً خارجياً.
رابعاً: التحدي متناسلٌ. لا بُد من الإيمان بهذا الشيء، فالتحدي يتناسل، و كل تحدٍّ ينقُلُ إلى تحدٍّ آخر، وغالباً ما يكون ناقلاً إلى تحدٍّ أشد، فلا ينقطع التحدي في محاولة واحدة، بل يتسلسل، حيث صناعات الحياة كثيرة، و لا تقف أو تنقطع. هذا التناسل إنما يكون عندما يكون الإنسان رابحاً، فيتطلع إلى تحدٍّ آخر، نشوة النصرِ التي تعتري الإنسان. و هنا يكون الإنسان قد حقق التحدي الذاتي، و عليه أن يكون متحدياً في العظائم، لأن مواجهة التحدي باتت متكررة في حياته.
خامساً: التحدي ليس يقيناً. بمعنى: أن الإنسان لا يعتقد أنه بالتحدي سيُحقق ما يريد، بل سيكون غالباً عليه أنه سيحقق ذلك، فالتحدي مجموعة من المحاولات الإنسانية لتحقيق المرادات و المقاصد و الأهداف. كثيراً ما يقع الخطأ هنا، في أن الإنسان إذا تحدَّى في شيءٍ أنه سيكون محققاً ما يريد، فإذا خسِر صارت لديه ردة فعلٍ سيئة، تمنعه من أن يبذل تحدياً آخر. لذلك ليَضَعَ الإنسان في نفسه أنه في التحدي ربما يكسب و ربما يخسر.