بوحة الفكر

الخطُّ و سِرُّ الإنسان

” أوَ ما علمت أن حسن الخط يناضل عن صاحبه بوضوح الحجة ويمكن له درك البغية؟”
محمد بن عبد الله بن طاهر

الخط أنبأنا عن الإنسان و أحواله الظاهرة، فلم يغادر من نبأه شيئاً، حتى أدق تكوّٰنه الجسدي و العقلي لم يفته، فكتب ذلكَ القلمُ بالخطِّ، و كان الخطُّ رسولَ ثقافة الإنسان، فأنواعه تحي أرضَه و زمانه، و العارفون بالخطِّ يُدركون ذلك.

تطوَّرَ الخطُّ في صُورٍ عديدة، فأدرك الإنسان، الخطَّاطُ، من خلاله الكثير مما يتعلَّق بالإنسان، و لا غرابةَ في ذلك فالعلوم المتعلقة بالإنسان لا انتهاء لها، و دائمة التجدد، حتى أنه لَيكون فيها من العلم ما لا يُقبَل في عقلٍ أولَ ما تكون، ثم مع الوقت تكون شيئاً بدَهيَّاً، يُستَخَفُّ بالمُنكِرِ لها.

و بما أن الخطَّ من أقوى العلوم المتصلة بالإنسان فإنه يَحكي الكثير عن الإنسان، أدرك الإنسانُ حكايةَ الخطِّ عنه ما يختلجُ في ذاته، فبدأ يتتبَّع ذلك حتى تكوَّن من ذلك علمٌ، و نشأتْ من ذلك مهاراتٌ في اكتشاف الإنسان من خلال خطِّه. و هذه من دقائق العلوم الإنسانية، و من أمعَنَ النظرَ فيها كثيراً وجد ما لا يحسبُ له أيَّ حسابٍ في وجوده في هذه العلوم، فالعلوم خزائن أسرار الإنسان، يقف الإنسان إذا ملَك مفتاح الخزائن على تلك الأسرار، و قليلٌ مَن يُوفَّقُ لذلك.

ومهما بلغَ الإنسان من العلم بما يتعلَّقُ به فإنه ليس ظافراً إلا بالقليلِ، كقطرةِ ماءٍ من محيطٍ، ذلك أن الإنسان مجموعة من العوالم، و مجموعة من الثقافات، اكتنفها ذلك الجِرْمُ الصغير، الذي هو مُختصرُ الكَون، فما ظفر به العالمون بالخطِّ من دلالة الخط على الإنسان شيءٌ ليس بالكثير، و ليس مما يُعتبَرُ من نهاياتِ العلوم، بل هو نافذةٌ على الإنسان من خلال الخط، يُفضي إلى التعرُّفِ على الكُنْهِ الإنساني بصورة أكبر و أوسع من خلال خطِّه.

هذا العلم وقفَ على الإنسان من خلال الخط المكتوبِ برسْم اليد، دون ما هو مرسومٌ بطريقةٍ ووسيلة ليس للإنسان فيها إلا وضع الحروف، كالكتابات الإلكترونية، و إن كانت هذه الأخيرة لا تبعُد عن أن تكون محلاً للتوصُّلِ إلى الإنسان و أسراره من خلالها، إلا أن كتابةَ اليدِ المُباشِرَة أقربُ إلى معرفة الإنسان من غيرها، لذلك كان التركيزُ عليها أكثر، و حتى مع تطوُّرِ آلات الكتابة يبقى للخط اليدوي دورُه الذي لا بُد و أن يكون حاضراً في الأشياء المهمة، كالمواثيق و العهود، و لذلك اهتمَّ المحللون للخط اليدوي بالتوقيع أكثر من غيره لضرورة وجوده في كل مكتوبٍ، حتى المكتوب الإلكتروني.

يذكرُ الخطَّاطون، العلماءُ منهم و الباحثون، أن الخطَّ يدلُّ على حالِ صاحبه، الحالِ الجسدية، من ناحية الطُولِ و القِصَرِ، و من ناحيةِ الجنسِ؛ ذكراً و أنثى، و من ناحية السِّنِّ، ومن ناحية النوعِ؛ عربيٍّ و عجَمِيٍّ، و أيضاً من الحالِ العقلية و الفكرية، و أحوالٍ أُخرى، يُدرك ذلك الإنسان من خلال الخطِّ عن طريقِ المعرفة به، فأهل كلِّ علمٍ أدرى بعلومهم، و مع كثرة الممارسةِ للعلم و تطبيقه في الحال الإنساني يكون إدراك تلك الأحوال أكثرَ.

الأغرب من هذا، و هو من دقائق العلم بالخط أنه يدلُّ العالِمَ به على معرفة حال الإنسان النفسية، و هذا الشيءُ كما يُعرَفُ من خلال الكلام الصوتي فإدراكه من خلال الكلام الصَمْتي ليس بعيداً، و في اعتبارِ العلماءِ إشارات الجسد إشارة إلى اعتبار كل إشارات جوارحه.

هذا الشيءُ من كشْفِ الخطِّ أسرار الإنسانِ ليس في دائرة الخط اليدوي فقط، بل للخط الإلكتروني صِلةٌ، ذلك الشيءُ جارٍ على وجهٍ صحيحٍ في تعلُّقاتِ نفسِ الإنسان، فالنفسُ الإنسانية تتقلَّبُ كثيراً، و حينما تتغيَّرُ يؤثِّرُ ذلك التغيُّرُ على الجسد، فتصطبغُ فيه رُوْح النفسِ المُتغيِّرة، حيث النفسُ الإنسانيةُ تتعاملُ مع أعصاب الجسد، و الأعصابُ تتواصَلُ مع أعصابٍ أُخرى، لهذا طرفٌ مُنتَزَعٌ من خبرِ ” الأرواح جُنودٌ مُجنَّدَة “، فالتعارُف كان رُوحياً، و مع تقادُم الزمانِ كان التعارُفُ جسدياً، و هنا أيضاً يُشارُ على التوافُقُ بين المُتشاَبِهَيْن من الناسِ، إذ هو شيءٌ روحيٌ أولَ الحالِ ثم كان جسدياً، وربما احتملَ العكس.

على قدْرِ المهارة في علم الخطِّ، و على قَدْرِ التواصُل الروحي، تكون معرفة أحد الطرفين بحال الآخر، لم يَعُد الإنسان إلا بوابَةً لاكتشافِ العلوم و المعارف، فما كان مخلوقاً إلا لأنه وِعاءٌ لها، و منه كانت المعارف، و لولاه لما عُرِفَ علمٌ، و لا أشد بداهةً من هذا العلم بخطِّ الإنسانِ، الذي هو ضرْبٌ من العلم العظيم المكنون في حيِّزِ هذا الإنسان، و ليس ضرْباً من سِحرٍ أو كهانة، إذ تلك حُجةُ الجاهل الذي لا يُدرك سِرَّ هذا الإنسان، و يكفي أنَّ الله أخبرَ عن هذا الإنسان بالقليلِ عنه، و أنبأ عن أصولِ التعرُّفِ عليه، و تركَ له نافذةً إلى ساحةِ اكتشافِ الكثير عن نفسه فقال: ” سنريهم آياتِنا في الآفاقِ و في أنفسهم ” فهما علمان لا نهاية لهما أبداً: علمُ الأكوان و علم الإنسان.

يبقى أن يُشارَ هنا إلى أمرٍ غايةٍ في الأهمية، فيما يتعلَّقُ بالعلوم الإنسانية، و خاصة علم الخط، و هو أن الدلائل التي يُتَوصَّلُ إليها من خلاله إلى الإنسان تبقى ظنية، و ليس شيءٌ منها يصل إلى درجة اليقين، لأن الإنسان في ذاته شيءٌ من اللغزِ الكوني الكبيرِ، فكما أنَّ الطِبابَةَ لا يُتوصَّلُ من خلالها إلى يقينٍ في وصفِ حال الإنسان غالباً فكذلك الخطُّ، و سائر العلوم المتصلة بالإنسان، إنما دلائلها على حال الإنسان دلائل ظنيَّة، فلا يجوز في حالٍ أن يُعتمَد عليها في مؤاخذة الإنسان أو وصفه بشيءٍ، فتحتاج إلى براهين مؤيِّدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى