بوحة الفكر

قُوَّتا الكمال الإنساني

في جواباتِ أبي عليّ، مسكويه الرازي على سؤالاتِ أبي حيان التوحيدي، ” الهوامل و الشوامل ” (ص:55. المسألة الرابعة)، أجاب مسكويه عن سبب تكالُبِ الناس على الدنيا، و حرصهم على أخذها و الإقبال عليها بأن ذلك بسبب قوة الجزء الجسدي على الجزء النفسي، و الجزءُ الجسدي جزءٌ فيه المتضاداتُ مجتمعةٌ، و سريع التقلُّب، و أما جزءُ النفس فهو فهو ثابت لا يتغير و لا يتقلب.


و هذا مذهبٌ له أهلُه و رجالُه، و إني كنتُ أوْقِنُ بأن في الجسد كمالٌ ليس في النفس، كما في النفس كمال ليس في الجسد، و كلاهما يُكمِّلُ الآخر، و لا يستغني أحدهما عن الآخر، فحيث كان اجتماعهما سواءً كانَ احتياجهما لبعضهما.

النظرُ إلى النفس و الجسد على أنهما في مَعزِلٍ عن بعضهما نظرٌ جزئيٌّ لبعض الإنسان، و النظرُ لبعض الإنسان دون بعضه الآخر يُفسِدُ التقويم الصحيح للإنسان، و يرجع بالضرر على الناظر نفسه قبل الضرر على المنظور إليه، فلا يُمكن التعامُلُ معَ شيءٍ إلا على قَدْرِ رؤيته و النظر إليه.

و النظرُ إلى النفس و الجسد نظراً شاملاً يُعتبَرُ نوعاً من النظرِ الكمالي، وهو النظر الذي يُحيط بالإنسان من عدةِ نواحٍ، كلُ ناحيةٍ تحملُ إنساناً من الناس، و كما يُرى من البعض فإن الإنسان مجموعةٌ من الناسِ مجتمعةً في كيانٍ واحدٍ، ففيه أنواعٌ و أصنافٌ من الناس، يُدرِك ذلك هو نفسه، أو غيره منه، أو لا يُدرَكُ ذلك، و عدم الإدارك لا يعني النفي و عدم الوجود.

في كلا قُوَّتَيْ الإنسان، الجسد و النفس، حُسناً و قُبْحاً، كمالاً و نقصاً، و ليس هذا عائداً إليهما، فإنهما مخلوقان مَحْضَيْنِ مِن مَيْلٍ إلى شيءٍ، و فيهما التهيؤ لقبولِ الوارد عليهما، و عودةُ ذلك إنما هي إلى ما لدى الإنسان مِن فِكرٍ و تكوُّنٍ مَعرفيٍّ، من خلاله يُدرِك الخطأ و الصواب، و الحُسْنَ و القُبْحَ، و ذلك يختلف فيه الناسُ على اختلاف مشاربهم و مذاهبهم، و كل إنسانٍ ابنُ ما نشأ عليه أولاً، ثم يسلُك، ثانياً، في تنشئةِ نفسِهِ مسالِكَ رُشْدٍ أو غَيٍّ، فهو مهيأٌ للاهتداءِ إلى أي سبيلٍ، و مُختارٌ ما يريدُ.

و لعلَّ ما يكون من كمالٍ في إحدى القوَّتين يكون مقابلاً لها نقصٌ في الجزء الآخر، ليكون التوازُنُ، كما أنه لعلَّ كمالاً في إحداهما في شيءٍ يُقابلُه كمالٌ في الآخر في ذات الشيءِ ليكون الاكتمالُ للكمالِ، و قلَّ أن يجتمعَ نقصانِ، أو سوءان، في قوةٍ و في أخرى، فذلك يعني فَقْدُ الكمالِ في الإنسانِ، و الإنسان لا يعتريه نقصٌ تامٌّ في كلِّ شأنِه، و إنما في بعضه، و من عدم اعتراء النقصِ إيَّاه ألا يكون نقصاً واحداً يتفق عليه النفس و الجسد، فاللهُ الأجلُّ خلقَ الإنسان كمالاً من بين خلْقِهِ، و ما كان هو كمالُ مخلوقاتِهِ فالنقصُ لا يكون شاملاً القُوتَيْن النفسية و الجسدية.

تتطلَّعُ النفسُ، كما يتطلَّع الجسدُ، إلى ملذاتِ الحياة، تطلُّعاً إلى كمالٍ تراه، كما يراه الجسد، وهذا التطلُّعُ كما هو عند البعضِ نوعاً من الكمالِ الإنساني، الذي لا يريد أن يكون في حالٍ من النقصِ، هو عند البعضِ، من النفسِ، عيبٌ و نقصٌ و سوءٌ، لذلك يُنسَبُ التطلُّعُ إلى مُلهياتِ الحياةِ و ملذَّاتها إلى القُوة الجسدية و لا تُنسَبُ إلى القوةِ النفسية، و عندما نُمعِنُ النظرَ نجد أن قُوَّة الجسدِ المعنويَّة لا تكون إلا من قُوَّةِ النفس، فالخللُ ليس في التطلُّعاتِ الإنسانية الذاتية و إنما من الرؤيةِ من إنسان آخرَ خارجيٍّ لتلط التطلُّعاتِ من أخيه الإنسان.

كل كمالٍ في الحياة تتوقُ النفسُ إليه، على قَدْرِ اعتبارِها لذلك الكمال، و على قدْرِ درجة كماله، و الجسدُ خادمٌ للنفس، يُلبِّي لها مُراداتها، و يسعى إلى تحقيق ما تصبو إليه، كما أن كلَّ نقصٍ، في عَيْنِ نفسٍ أُخرى، تتوقُ إليه النفسُ، وهو كمالٌ عندها، و الجسدُ يجد من روح الكمالِ ما تجده النفس، فالكمالُ و النقصُ في الوجود عائدان إلى ما تعتبره النفسُ و تؤمنُ به، لا إلى قوانينَ قطعيةٍ لا يعتريها شَكٌّ في حينٍ و لحظةٍ، لذلك كانت الأفكارُ الإنسانية مختلفةً في الاعتبار العقلي الإنساني، فما هو كمالٌ عند بعضٍ هو نقصٌ عند آخرين، و ما هو إيمانٌ هو كفرٌ عند آخرين، لكنَّ المُتفَّقَ عليه أن كلَّ بني الإنسان لا يرضون بالنقصِ في حالٍ، فربما انتقد الإنسانانِ شيئاً واحداً، و كلاهما يفعله أو أحدهما، و لكنهما يختلفانِ في فَهمه و فلسفته، كما يسُبُّ الناسُ الغُرورَ، و أحدهما يرى الآخرَ مغروراً، و لكنهما يختلفانِ في فَهمهما للغرور، و لا يتفقانِ في فلسفةٍ واحدةٍ عنه.

إننا حينما نعلم أن الإنسان مُرادٌ منه أن يكون نموذجاً كاملاً، لأنه مخلوقٌ في تقويمٍ أحسن، فإنه لمن الجديرِ أن نعلمَ أن كمال الوجودِ لا يكون إلا من خلالِ هاتين القوتين فيه، القوة النفسية و القوة الجسدية، و لا يمكن لأيٍّ منهما أن تقوم بقوةِ الأُخرى مهما بلغتِ من القُدراتِ على ذلك، و إن بلغتْ شيئاً فلا يصِلُ إلى درجةِ الكمالِ حينما تكون من ذات القوة، فـ ” كُلُّ بَدَلٍ أعور “. و هنا يجب أن نمنحَ كلا القُدرَتَيْنِ ما تستحقانِهِ من الحياةِ ليكتملَ بها وجودنا الإنساني، و التقصيرُ في إحداهما تقصيرٌ في الأُخرى، و كمالُ إحداهما كمالٌ للأخرى.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى