و تَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صغيرٌ | و فيكَ انطوى العالَمُ الأكبَرُ
الوسيلة التي أوصلت الأصوات إلى الذين أغلقوا آذانهم عن الحقيقة غالباً ما تكون شيئاً صغيراً مُحتقَراً، و النارُ لا تكون إلا مِن مُسْتَصْغَرِ الشرَرِ، في عالم الأنترنت، العالَم الذي كان افتراضياً و أصبح اليوم هو الواقع الحقيقي، تكثُرُ فيه الوسائلُ المُحتَقَرَةُ هذه، و التي لا يأبَه بها أولئك الناس الذين لا يُحبون أن يسمعوا صوتاً غيرَ صوتهم، و صوتُ الإنسان لدى نفسِه غالباً ما يكونُ غيرَ حسنٍ، تلك الوسائلُ أقضَّتْ مضاجِعَ هذا النوع من الإنسان اللا إنساني، فباتت الأوجاعُ، الحسية و المعنوية، لزيمةً لهم.
( تويتر ) شبكة صغيرة، لا تحتملُ سوى مائة و أربعين حرفاً، فعلَ في الكثيرين أفاعيلَ لم يكونوا يتصورونها يوماً مَّا، إذا صارَ المُتنفَّسَ الذي يدخله أغلب الناسِ من جميع الفئات، فلا رقابة فيه إلا الذات و الضمير، فيبوح من خلاله الناس بما يريدون، و هو هكذا قد أبرم ناراً في أرضٍ قرُبُ تساقُط ورقِ أشجارها، في خريفٍ لم يُظَنَّ أنه سينتهي بربيعٍ وَعى فيه الناسُ مَن هم.
لم يقتصر الشأن على ذا، بل تجاوزَه إلى ما يُسمَّى بالأوسمة، أو الهاشتاق، و هو ما يجمعُ كتابات التويتريين، المُغرِّدين، و لا يُغرِّدُ إلا الأحرار، فأسَّسَ الناسُ هذه الهاشتاقات، أو الأوسمة، ليكون الكلام فيها عن أشياءَ يُطالبون بها، أو تصحيحاً لمفاهيم، أو غيرَ ذلك مما نشاء، و الأوسمةُ لا تُكلِّفُ شيئاً، إلا أن يكون موضوعاً مُثيراً، و في غضون لُحيظاتٍ تنتشرُ انتشاراً مُلفِتاً.
حينما نقرأ ( تويتر ) لا نقرأ فيه حروفَه المائة و الأربعين، و إنما نقرأ فيه معاناةً تحملُ هذا الرقمَ، إما سنواتٍ و إما حالاتٍ و إما و إما، الشيء الذي لا يُمكن أن يُدركَه أولئك الذين أرادوا يوماً أن يطمسوا هذا الوطن العظيم ( تويتر ) و يجعلوه مُغلَقاً مَحجوباً، و ما راموا ذلك إلا لعلمهم أنَّ هذا الوطن هو الوطن الحقيقي الذي ينتمي إليه الأحرارُ الذين رفضوا لعنةَ الاستبداد و القمع الفكري و المعرفي، و أما ما يُسمى بالوطن التُرابي الأرضي فإنه لأهل الترابِ الذين لازمت همتهم الأرض فلم ترتفع قدْرَ أنمُلة طِفلٍ.
الناسُ بطبيعتهم أحرارٌ، و يريدون أن يصلوا إلى مقاماتٍ وَصَل إليها غيرهم ممن هم دونهم، و متى ما أُغْلِقَتْ في وجوههم الطُرُق فإنَّ في الحياةِ سُنناً تجعلُ عشرات الأبواب، بل تزيد و تزيد، مقابلَ كلِّ طريقٍ أُغْلِقَ من غيرِ حقٍّ و لا بسببٍ يُقنِعُ العقلَ، و هذا الشيء لا يفهمه أيُّ أحدٍ ممن أحدثَت العوالم الافتراضيةُ في قلبِهِ رُعْباً.
مُستمرٌّ مُسلْسَلُ ( تويتر ) في أفاعيله في الناس الذين يرفضون الحقيقة، و الذين حاربوا الحقيقة، ليس فقط من فئة السياسيين، و لا من فئة الفارغين المُتقلِّدين مناصب خدمة الشعوب و هم أعجز الناس عن خدمة أنفسهم في خاصتهم، بل شمل أولئك الذين عبثوا بالعلم و المعرفة، أولئك الذين خدعوا الناس بأنهم يملكون زمام العلمِ كلَّه، فأبان هذا العالَم حقيقتهم كما هي، و أنهم ليسوا إلا سراباً، لا يُقبِلُ عليه إلا من قتلَه العطَش، و من وجدَ الماءَ بَصَقَ في السراب، و السرابُ لأهله، و العاقلُ لا يتبعُ السرابَ إلا حينَ لمحِهِ، و تلك اللحظة ليس إلا.
أوسمة ( تويتر ) و هاشتاقاته تُعتبَرُ ثورةً عظيمة، هي التي تصنع الثورات الأرضية الملموسة، لذلك فالكثيرون يخافون أن يكونوا ضحيةً يوماً في أحد هذه الهاشتاقات، فيكونوا إحدى أفاعيل ( تويتر )، و كثيراً ما تكون ماسَّةً حوائج المجتمعات و الشعوب، و مُطالبِةً بالحقوق التي أُكِلَتْ من قِبَلِ أشباه البشر، و التي برَّرَ لها بالصمتِ سدَنةُ محرابِ الاستبداد.
هذا العالَم بأفاعيلِه لا بُدَّ و أن يخضَع لرقابة الذات، و لحُكم الضمير، وِفْقَ منطلقاتِ الإنسان في الرقابةِ و المسؤولية، فلا تكون أفاعيل ( تويتر ) التي تصدُرُ منه إلا على نظرِ الواثق، فبقدْرِ ثقته بالشيءِ يكون بلوغه و نجاحه، و أن يكون مُتحلِّيَاً بأخلاق الحُرِّ الذي يرتبط بسموِّ السماء، فلا يكونَنَّ سبباً لطمسِ كرامةِ هذا الوطن الكبير.
أفاعيل ( تويتر ) برهانٌ كبيرٌ على صحة ما قاله أبو القاسم الشابي، رحمَ الله روحه، حينما لفظَ بيتَه الحُرَّ الذي لا يُنشدُه إلا الشرفاء: “ إذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ | فلا بُدَّ و أن يستجيبَ القَدَرْ “.
عالَم ( تويتر ) ليسَ إلا عالَماً صغيراً، وواحداً، في كونِ الأنترنت الكبير، و من ضمن عوالِم أُخرى، ستكون يقيناً أقوى منه و أبلغ منه في إيصال رسالات الناس إلى أولئك، و الهاشتاقات و الأوسمة ما هي إلا بدايات، فعجلةُ التقدُّم لا تعرفُ إلا التقدُّم الكُلِّي، و لا يقرأُ في التقدُّمِ تأخُّراً إلا من أبقته عقليته في مؤخَّرة الرَّكبِ، و الشرفاءُ إن تأخروا فلأجلِ أن يُقدِّموا، و لا أظنُّ من ذاقَ مرارة أفاعيل هذا العالَم منهم.