بوحة الفكر

القدَرُ حيثُ الإرادةُ

القَدَرُ حيثُ الإرادةُ

الإرَادة لا تقيّدها الظروف.

جميلة الراشد

أقوى شيءٍ مُنِحَهُ الإنسانُ أنْ يَكونَ ذا إرادة، و أن يكون صاحبَ مشيئةٍ، ليستْ مُستقِلَّةً قَطعاً، و ليسَ مُختاراً بالمعنى التامِّ، و لكنَّها إرادةٌ تخييرية، الشيء الذي لم يَمنحه الخالقُ الأعظم لغيرِه من الخلْقِ، و إن كانتْ لهم إرادةٌ تتناسَبٌ و أحوالهم، و لكنَّ إرادة الإنسان تبقى شيئاً مختلفاً لأنه مختلفٌ.

أنْ يُريدَ الإنسان شيئاً فهو قَد اختارَ، و أنْ يَختارَ فهو قد رَغِبَ، و أن يرْغَبَ فهو قد وجَّه الهمَّ نحو المُراد، و مَن توجَّهَ همُّه لشيءٍ رُبما أدرَكَ، لكن الذي لن يُدْرِكَ مُراداً هو مَن لم يتوجَّه إليه، فقيمةُ الأشياءِ في كونها مُرادة.

الإرادةُ حينما تتكوَّنُ في الإنسانِ، و يتبنَّاها فهي تعني أنَّ الطرُقَ مُشْرَعَةٌ، و تعني أن السُبُلَ مُهيَّأةٌ، و أن العوائقَ ليستْ إلا وَهْماً، فالإرادةُ إذا كانتْ قويةً و صادقةً و موجَّهةً اخترقَتْ كل حجابٍ، إلا حجاباً ليس في إمكان الإنسان أن يخترِقَه، فالإنسانُ ليس مُمَكَّناً بذاتِهِ من صُنعِ المُعْجِزات.

ألا يتمَّ أمْرٌ للإنسانِ فهو إما لأنه لمْ يُرِدْهُ، و إما لأنه لم يسلُك مسالِكَ إرادةٍ تُحقِّق له و تُهيءُ الوصولَ إلى ما يريد، كلُّ إرادةٍ لا تكون إلا و لها مُهيئاتٌ و لها وسائلُ ووصائل، يُدركها الوعيُ بالمراد و بالسنن.

هناك في الكون، و في الحياة، قانون لا يتخلَّف عن أحدٍ، لا يُحابي و لا يتحيَّز، كشأن القوانين الكونية، و هو أننا حينما نُريدُ فثَمَّ قَدَرٌ معَ الإرادة، كلُّ شيءٍ يسعى لما نُريدُه، لا يُعيقُ شيءٌ عن تحقيقِ المُرادِ إلا قانونٌ آخر، فلا ينقضُ قوانين الكونِ إلا قوانينُ أُخَر.

حينما تُعْتَرَضُ الإرادةُ فهناكَ خللٌ فيها هي، أو في المُريد، فالمريدُ إذا صدقَ في المرادِ تهيأتْ له مُوْصِلاتُه إليه، و تهيأتْ له مُحقِّقَاتُه، الإرادةُ الصادقةُ تنْفُذُ في الكَونِ فيستجيبُ لها اللهُ بِقَدَرٍ آخرَ يُحققها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى