بين سفيهٍ و نبيهٍ
إذا نطق السفيه فلا تجبه / فخير من إجابته السكوتُ.
فإن كلمته فـرّجت عنـه / وإن خليته كـمدا يمـوتُ.
الشافعي
السفيهُ إنسانٌ فقَدَ من كرامةِ الإنسانية بقدْرِ السفاهة التي فيه، فسفيهٌ في عقلِهِ فأحمقٌ، و سفيهٌ في سلوكِهِ فسَيئٌ، و سفيهٌ لسانه فبذيءٌ، و سفيهٌ عبثه و لَهوه في غير منفعة، و هكذا، فالعقلُ و الرُّشْدُ جوهرٌ واحدٌ، يُستطاعُ أن يُتعامَل مع صاحبهما، إلا السفاهة فإنَّها متنوِّعة، يَحارُ العاقل الحصيف في صاحبها، فلا العقلُ يُفيدُ إذ الحماقةُ طاغية، و لا الخُلُقُ ينفعُ إذ اللا مُبالاةُ حاضرة، فلم يبقَ غيرُ الصدود و الإعراض، فليسَ من شيءٍ أشدّ على السفيه من صدود النبيهِ عنه.لا يسلَم العاقلُ من جرأة السفيه، و لا يكون في حِمًى تطاول الحمقى، فذاك أولاً أنه لتمام، و إتمامِ، عقله، ليعرفَ أساليبَ و طرائقَ التعامُل مع هذا الصنفِ المنبوذ من الناس، و ثانياً، لأنه من ضرورات الوجود البشري أن يكون البعضُ فيه نقصٌ لأن ذلك أنسب له، فليس إلأى العقلِ في شيءٍ، و أعني به النوعَ السفيه من الناس، و إلا فأصلُ نوع الإنسان أنه كاملٌ تامٌّ، كلُّ شيءٍ فيه إلى الحُسْن و التمام، و إن شذَّ بعضٌ فكان إلى النقصِ فإنما لإكمالِ أهل الكمال.
الصدود عن السفيه من أسنى أخلاقِ النبيه، و قد كانت هذه وصيةُ الحكماء، فبقدْرِ الصدود و الإعراضِ عن تطاول السفيه و جرأته و قلة أدبه يكون احتراقُه، فليسَ الرد عليه إلا نوعٌ من الاهتمام به، و الاهتمامُ نوعُ إكرامٍ، في المثلِ السائر كثيراً ما كان يقول والدي، رحم الله روحه: “دُوَا الكلْبِ خَصْرُه” أي: أن علاجَ الكلبِ إذا نبَحَ في تركه و إكمال الطريق، و مثلُه المثلُ الذي يقولُ: ” الحِقْران يقطِّع المِصران “، و المِصرانُ هو جمعُ الجمْعِ للمصير، و هو اسمٌ لِمَعِيِّ الإنسان، و معناه: أن الاحتقارَ يقهرُ المُحتَقَر، لأن في ذلك تحقيقٌ للمثلِ القائل: ” لا يَضُرُّ السماءَ نبْحُ الكلاب “، فإذا ما وقفَ الإنسانُ لنباحِ الكلبِ عليه تجرأ بذلك عليه الكلبُ، و تعطَّل عملُ الإنسانِ بسبب ذلك الوقوف لمواجهة الكلب، و أغلبُ السفهاء، و الغالبيةُ كُلِّيَّةٌ، يجري عليهم هذا الحكم الأخلاقي السلوكي.
حينما يرمي على عواهِنِهِ الكلامَ واهِنُه فإنه لم يحسْبِ له حساباً، و لم يَزِنْهُ بميزانٍ، ولو كان فاعلاً ذلكَ لكان متريِّثاً في إلقاءِ الكلامِ، و لكان متوقِّفاً كثيراً، ما لم يكنْ كلامُه لا يحملُ ضرراً، و هذا هو حالُ السفيه الذي يتعرَّضُ للنبلاءِ من الناسِ، لا لسببٍ، و إنما لسوأةٍ في ذاتِه بانتْ على صفاتِه فبانتْ منه كمالاته.
هذا النوعُ من الناس، السفهاءُ، هم في أصلِ أحوالهم قومٌ مِراضٌ، مَرِضَتْ منهم نفوسهم، و سَقمتْ منهم عقولهم، ففقدوا وازعَ العقلِ، و غابَ عنهم رادعُ الدين، إن انتسبوا إليه، فأعملوا سفاهتهم، لذا فإنَّه لمِنْ كرَمِ النبيهِ أن ينظرَ إليهم، حال سفاهتهم خاصةً، نظرَ الحامد ربه على نِعَمِ العقلِ و سلامةِ الحال.
إن كرامةَ النبيه، و الوجيه و النبيل العاقل، تأبَى عليه السكوتَ الدائمَ تجاه السفاهة، و لكنَّ تمام العقل و النُبل و النباهة في إتمام هذا السكوت و الصدود، لأنَّ الحماقةَ لا دواءَ لها، و السفيه المتطاوِلُ على الناسِ ببذاءة اللسانِ، مهما كان دافعُ ذلك عنده، لا يسلمُ مِن مغبَّةِ سفاهته، و ستنقلبُ عليه يوماً ما، مجموعاً عليه في تلك الانقلابة كلُّ ما قامَ به من سفاهةٍ، عامداً، تجاه الناس.
الصدود عن السفيه من أسنى أخلاقِ النبيه، و قد كانت هذه وصيةُ الحكماء، فبقدْرِ الصدود و الإعراضِ عن تطاول السفيه و جرأته و قلة أدبه يكون احتراقُه، فليسَ الرد عليه إلا نوعٌ من الاهتمام به، و الاهتمامُ نوعُ إكرامٍ، في المثلِ السائر كثيراً ما كان يقول والدي، رحم الله روحه: “دُوَا الكلْبِ خَصْرُه” أي: أن علاجَ الكلبِ إذا نبَحَ في تركه و إكمال الطريق، و مثلُه المثلُ الذي يقولُ: ” الحِقْران يقطِّع المِصران “، و المِصرانُ هو جمعُ الجمْعِ للمصير، و هو اسمٌ لِمَعِيِّ الإنسان، و معناه: أن الاحتقارَ يقهرُ المُحتَقَر، لأن في ذلك تحقيقٌ للمثلِ القائل: ” لا يَضُرُّ السماءَ نبْحُ الكلاب “، فإذا ما وقفَ الإنسانُ لنباحِ الكلبِ عليه تجرأ بذلك عليه الكلبُ، و تعطَّل عملُ الإنسانِ بسبب ذلك الوقوف لمواجهة الكلب، و أغلبُ السفهاء، و الغالبيةُ كُلِّيَّةٌ، يجري عليهم هذا الحكم الأخلاقي السلوكي.