كُنْ ظاهرةً
الإنسانُ عُنصرٌ فاعلٌ في هذا الوجود، و هذه وظيفته التي من أجلها خُلِقَ و أُوْجِدَ، و ليس ذا فحَسْب، و إنما أن يكون إنساناً ذا أثرٍ، و ليسَ أيَّ أثرٍ، بل ذاك الأثرُ الذي يجعلُه حديثاً لمن أتى بعده، و من باب أولى أن يكون حديثاً لمن أدْرَكَه.
في طليعةِ كتاب ” الخطابات السرية للراهب الذي باع سيارته الفيراري ” للمعلِّم العظيم روبن شارما وُصِفَ روبن بـ [ المؤلِّف الذي صار ظاهرةً و حقَّقَ أفضل المبيعات ]، و هو يستحق ذلك، فمن أعطى الإنسانَ ما يجعله واعياً في قيمته في الحياة، القيمة الكونية التي هي عمارة الأرض، بأيِّ معنى شريف، يستحق أن يكون ظاهرةً، و أن يكون شخصيةً لها وزنها العميق في هذا الكيان الحياتي.
عندما نتتبَّعْ أحوال العظماء على مَرِّ التاريخ، سنجد أنهم ما كانوا عظماء إلا وقد سَعوا ليكونوا كذلك، و لهذا صاروا ظاهرةً يُضرَبُ بها المثل، و نموذجاً يُحتذى، و كل إنسان هو قادرٌ على ذلك، لو أرادَ، و مَن أرادَ أدرَكَ الغاياتِ.
لن يلتفتَ إليك أحدٌ ما لم تَكُنْ أنتَ من يَصنَع بواعثَ الالتفات، و ما لم تكن أنتَ من يُطلقُ ومضةَ الضوءِ لينتبه إليه من حولَه، فالناسُ لا تعرفُ أحداً لم يُعرِّفْ نفسه إليهم، كما قال مُعلِّمٌ لتلميذٍ له: تكلَّمْ حتى أراك.
لا تَقْصِرْ نفسَكَ على أن تكون في الحياةِ على طَرَفٍ فيها، فالطَرَفُ لا يحملُ الشرَفَ، بل كُنْ في صُلْبِها و في مَتْنها، و كُنْ ذا أثَرٍ حتى إذا جاءَ السائرون حُكِيَ لهم أنه أثرُ فلانٍ، و هنا تَكون بدايةُ مرحلةِ أن تكون ظاهرةً.
إذا لمْ تَرَ نفسَكَ شيئاً فهذا شأنك أنت، لكنَّه عندما يكون الأمرُ فيه مَوكولٌ إليكَ، أمَا و الأمرُ موكولٌ إلى مَن أنشأكَ خلْقَاً ” في أحْسَنِ تقويمٍ “، فلم يكنْ ليخلُقك لمجرَّدِ مَلءِ فراغِ الوجودِ، إذنْ، فحُكمكَ على نفسك ليس إلا شيئاً من العبَثِ، لا نأَبَه به، فدَعْ عنك جلْد الذاتِ، و لا تَحْتَقِرَنَّ شأنَك فيجري القَدَرُ حينَ جَذْبَةٍ منكَ فتكونَ كذلك.
الإنسانُ إن لم يكنْ ظاهرةً فليسَ أقلَّ من أن يكون ذا أثَرٍ في الوجودِ، أن يكون مَشهوداً، الكلُّ يعرِفُه، فإن لم يكن شيئاً من ذلك فليسَ وجوده إلا حكمةً، تؤْخَذُ من حالِه العبرةُ للناس لئلا يكونوا مثله.