لا يكتملُ الوجود الإنساني إلا بوجود خصمٍ له، يعارضه و يناقضه و يناهضه، و بدون هذا الخصم لا يعتبر الإنسان في سواءٍ من الخلْقِ، و لا في صحةٍ من الحال، إذ من ليس له خصمٌ ليس شيئاً ذا قيمة، و ما من شيءٍ في الكون إلا وله خصم.
الأعداء هم أولئك الذين واجهوا الإنسان في حياته، سواءً في دائرته القريبة أم في دائرته البعيدة، فجعلوا منه مواجهاً بقوةٍ ليحفظ نفسه، أو جعلوا منه مولِّيَاً مُدْبِراً، لم يُعقِّبْ إلى وُجهته مرة أُخرى.
إننا إذْ ننظرُ إلى الأعداء فإننا ننظرُ إلى شيءٍ هو من الضرورات الكونية في الحياة، لا يُمكن أن يُستغنى عن وجودهم أبداً في أي حالٍ، ذلك أن الأعداءَ هم العنصر الكبير في صناعة الحضارة في الحياة، و هم العنصر الأكبر في بناء الدول، و هم الذين لولاهم لما تحرَّك أحد من الناس في تحقيق ما يصْبو إليه من أهداف و غايات.
يتحرَّكُ في الأعداءِ الحسَدُ و الحقْدُ، و حتى لا شيء، فيقعون في الإنسان قادحين شامتين، يصطنعون العيبَ فيه، و يختلقون السيئة، و يُلبسِونه الخطيئة، ليس لشيءٍ إلا لأجل أن يضعوه أرضاً و يسبقوه، ربما لا يكون لديهم هدفٌ إلى شيءٍ، و لا يكون عندهم الطموح، و لا يكون عندهم الأملُ الحميد، و لكنه ” حسداً من هند أنفسهم “، و اللبيبُ من الناس من لا يجعلهم حَجَرَ عثرةٍ في طريقه، و لا يعتبرهم عائقاً، فيخترقهم سائراً في طريقه، شعاره ” و أعْرِضْ عن الجاهلين “. و الآخر من الناس من سلَّم لهم أمْرَه، و بقيَ فريسةً لهم، فهو وما اختار.
حينما نؤمنُ بأن الأعداء ضرورة لا تخلو منهم الحياة، و أننا لا نسلم منهم في حال، و لا نهنأُ في مرحلةٍ من أعمارنا من أذاهم، فإننا نؤمنُ بأن القيمةَ فينا، و أنَّ الشأنَ شأننا، و أنهم ليسوا شيئاً معتبراً بشريف موازين الفضلاء، لذلك ننظرُ إليهم خادمين لنا، و ننظرُ إليهم عَتَبَاتٍ نرتقيها إلى الكمال، و ننظرُ إليهم مواضعَ للخُطى في مسيرنا الواثق نحو غاياتنا الجميلة، و لا يخطُرُ في أذهاننا يوماً أنهم من العوائق التي تستحق أن نقفَ لأجلها، و لا من الحُجُب التي نهتم بها، فلس حالُهم إلا هباء طارت به ريحُ همتنا و عزيمتنا.
إذنْ، فالأعداءُ ضرورةٌ لصناعة كمال الوجود الإنساني، يبحثون عن الزلات فيكون حكيماً فيجتنبها، فيُسْقَط في أيديهم، و يشمتون بالفضائلِ فيكون أريباً فَطِناً فيزداد منها كسْباً و عملاً، فيقعون منه في حَيْرَةٍ، فيخنسونَ، و يولُّوْنَ الأدبارَ و يظفرُ بالإقبال، فليست مقامات الكمال إلا لنزيهٍ نبيهٍ.
ليس العدو هو ذاك الصريح في عداوته، و لكنه أيضاً الأصرح في صداقته، حينما يكون عائقاً في الطريق عن الوصول إلى كمال الأشياء، و حينما يكون كثير العتَبِ و اللومِ على كلِّ شيءٍ، و حينما يكون صاحبَ دورِ التعطيل عن كل مقام نبيلٍ فضيل، فذا أخطرُ من الصريح في عداوته، و منه كان التحذيرُ من الحكماءِ أكثر و أعمقَ معنى، و لِصُّ البيتِ أبعد عن الشُبهة، و ” مِنْ مأْمَنِهِ يُؤْتَى الحَذِرُ “.
الأعداءُ أحد مناهج الحياة التي من خلالها نتعلم أسرار العيش، و نعرف أسرار الكمال، فهم من أعظم مصادرِ التربية على السلوك الحسَن، و من أعظم السُبُل التي بها نتعلم الأخلاق الفاضلة، فلم يعرف الإنسان الحِلْمَ إلا بسبب تعاملهم، و لم يعرف الصبْرَ إلا من حيثُ كان أذاهم، و ما كان العفو خُلُقاً إنسانياً راقياً إلا لأنهم كانوا أصحاب الدور فيه، و هم أصحاب فضلٍ في الكثير من تلك الأخلاق. و في كل شيءٍ في الحياة نجد أن لهم دوراً كبيراً في صناعته، و ربما ناسَبَ أن يُقال: الأعداءُ صُنَّاع الفضائل. من هذه الرؤية فقط.
لا يضيقُ الإنسان ذرْعاً من وجود هؤلاء الأعداء، فهم العُنْصُرُ الذي أثْبَت وجوده، و هو العُنْصُرُ الذي شَهِدَ له بقيمته و منزلته بين الناس، و ” الفضلُ ما شَهِدَتْ به الأعداءُ “، و هم لا يَشْهدون صريحاً، فليس أكْتَمَ منهم للفضل و الحقيقة، و لكنهم شَهِدوا بالفضل حيثُ ناصبوا العداء للإنسان، و لا يُمكن لأحدٍ أن يُعادي حقيراً، إنما يُعادَى أهل الفضل و الكمال.
لنكتسبِ الأعداءَ ليكونوا أصدقاءَ من وجهٍ آخرَ غير وجه الصداقة الشريف، فنعرف منهم كما يجهلون منا، و نرى منهم ما هم في عَماءٍ عنه فينا، فنحظى بالشرف و يَحْظَون بالتلف، و الإنسان حيثُ رضِيَ لنفسه.