التعلُّم الحقيقي يتضمن إحداث تغيير في سلوك متلقِّيْه
كين بلانشارد
في الإنسان نُقاطٌ كثيرةٌ هي سر نجاحه الكبير، و هي التي تصنع منه الإنسان الذي يريد أن يكونَه يوماً ما في حياته، و تجعل منه الإنسان الذي يجب أن يكون في الوجود كما أُريْدَ منه حين خُلِق، و الإنسان الذي يطمح إليه الناس، بل تجعل منه الإنسان الذي هو جمال هذا الكون كله.
الإنسان في حياته يمرُّ بالكثير من التجارب، و يكتسب الكثير من المعارف، من خلال تلك التجارب و من خلال تتبع الجديد من علمِ الحياة، لا يقف عند حدٍّ منها، و لو توقف عن اكتساب المعارف فإن التجارب ستعلمه، و مهما ترك الإنسان التعلم من الحياة فإن الحياة ستعلمه رُغماً عنه، فلا محيص من تعاليم الحياة، فالحياة مدرسةٌ إلزامية، دروسها إجبارية، و أخذ الدرس و الاستفادة منه عائدة إلى فطنة الإنسان و ذكائه.
تلك المعارف و التجارب تبقى لا شيءَ في حياة الإنسان، إلا معلوماتٍ مخزونة في الذهن، لا تزيده إلا وجوداً صورياً، و إن كانت معلومات المعارف منقبة و يُثنى عليها الإنسان إلا أن هناك ما هو أهم من ذلك كله، و هو وضع تلك المعارف في قالَب التوظيف في الحياة، و تأثيرها على الإنسان ووجوده، و هذا هو السر الذي أنبَغَ العظماء، و صنع عباقرة الدنيا، إذْ أنهم أدركوا مما لديهم ما هو سر نجاحهم فأعملوا فيه الجُهْد حتى أتوا عليه كلَّه فأتى هو إليهم بالإبداع و النجاح.
إنَّ إدراك الإنسان هذا الشيء من المعلومات متذبذبٌ بين السهولة و الصعوبة، و هو باختلاف الأشخاص، فمن كانت لديه طموحاتٌ كثيرة عاليةٌ كبيرة سامية فإنه سيتعب في اكتشاف جوهرة معلومات و معرفته التي تنقله إلى خطوات النجاح و العظمة، و إذا كان بعكس ذلك فإنه سيجد الحل قريباً، و يسهلُ عليه أن ينطلق بسرعة، و هنا تكمن حقيقة الفرق بين من يجب أن يكون في مقام الأسبقية و بين من يجب أن ألا يكون كذلك.
على أن هذا لا يمنع من طرْقِ النوع الأول من النوعين أبواب كل معلوماته حتى يجد العنصر الذي فيه سر نجاحه، فهو سيكون خبيراً و عارفاً بالمجالات في حياته، و يكون مجرباً كثيراً، و يكون مكتسباً معارفَ أُخر.
إنَّ الإنسان مهما يكن فإنه يبقى ذلك السر الغامض في الحياة، و كلما زاد الإنسان نفسه علماً و ثقافة ازدادَ غموضه، و لا يُدركُه إلا النادرُ جداً، لأنه هو نفسه يكون في مهْيَعِ المعرفة و الفكر و في مفارق الطُرُق، و هذا هو سر الكمال الإنسان، كلما كان أغمضَ كان البحثُ فيه أجدى لمعرفة أسرار الإنسان، و لا يعرف الإنسانَ أحدٌ من الناسِ إلا هو نفسه، و كلهم في الجهل فيه سواء، و العارفُ به عارفٌ برأس إبرة من بحر حقيقته. لذلك كان من الصعب أن يجدَ الجوهرة المفقودة، و لكن عليه السعي حتى تتجلى له ببريقها، و تجليها إنما له وقتُ الكمال و التمام المناسب لها، و لو بَعُدَ و طال انتظاره.
إن عنصر الشهود الإنساني في الحياة، و قيمة الوجود في الكون تكمن في أن يجد الإنسان تلك المعلومة فيه، و تلك المعرفة التي يحتويها ليقلبها إلى عملٍ مُوظَّفٍ في الحياة ليكون ذلك الإنسان الذي عَمَرَ الحياة بعد أن عَمَر ذاته.