المجلس العاشر
1/11/2010
24/11/1431
قال أبو الطيِّب :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السُخط تُبدي المساويا
وحي البيت:
الرضا والسخط شعوران يعتريان الإنسان, الأول التئامي والثاني انتقامي, وهما في ذاتهما لا يحمدان ولا يُذمَّان, وإنما بتوظيفهما, حالهما حال كل الأخلاق والسلوكيات البشرية.
المرضيُّ عنه محبوب, والمحبوب في رحمةٍ, فلا تنكشف عيوبه, ولا تبين سوأته, والمسخوط عليه؛ عليه عين الرقيب وكشاف الباحث ومضخمات المنقِّب عن الزلات, فلا أمان إلا في الرضا, والناس بين هذين.
الرضا والسخط أساسان لكل شيء في الحياة, فأشياء الحياة تقوم على رضا الإنسان بها وسخطه عليها, وفي الرضا تفاعل وعطاء, وفي السخط تجافل وشح, وفي الرضا غطاء وستر، وفي السخط كشف وبتر.
الرضا تعبيرٌ عن نوع وجزءٍ من الميل للشيء, وحين يميل الإنسان إلى شيء ويكون قلبه منصرفاً إليه تتأثر الجوارح والجسد بذلك فتعبر عن ذاك الميل بما فيها من قدرات التعبير عنه, فترى كل الكمال فيه, وتصطنع كمالاً غير موجود, وتسمع محاسن اللفظ حتى لو كان فظاً, وتذوق حلاوة علقمه, فالقلب في قلق, والعين في عمى, والأذن في صمم, فلا عين رأت سوءاً, ولا أذن سمعت ولا هو خاطر على القلب.
والسخط تعبير عن الانصراف, وفيه بذرة كُرْهٍ وبُغْض, فينبت من تلك البذرة عروق البحث الدقيق عن العيب, وجذوع تمكين العداوة, وأغصان المناوأة, وأوراق المحاسبة على كل شيء, فلا بقاء ولا عيش.
في الرضا بقاء المرضي عنه والبذل له, وتنميته وتزكيته, لأن الراضي سيكون مقبلاً على محاسن المرضي عنه, وتحسين ما يُستقبَح فيه ومنه, وهذه عملية الإبقاء, لأنه سيكون حافظاً لصواب رأيه, فهو محبٌّ يكلف.
وفي السخط الضدُّ, فسعى الساخط للإفناء, والحرمان والإفساد, لأنه لا يرى إلا المظلم من جوانبه وأحواله.
إذن, فالرضا عمود البقاء, والسخط عمود الفناء, نرى هذا في سائر أحوال حياتنا, فما نرضى عنه نسعى لحفظه ورعايته, ونغض الطرف عن مقابحه وسيئاته, مهما كان شأنه وقدره, فالرضا عنه ذاتي من داخل النفس, والذي نسخط عنه ونكرهه لا نراه إلا أسود قبيحاً, ولو كان في الجمال والحسن ما كان.
فما يريد الإنسان تحقيقه ينبغي أن يكون راضياً عنه, وراضياً عن رضاه عنه ليتأقلم معه, فيكون معه في عملية البناء له ورعايته, فلا يبني عاقل مالا يقبل عليه بكلِّه, وإن بناه فإنه يكون هشاً.
هذا الرضا عن الرأي, والرضا عن الفعل, جوهر الإبقاء للأشياء, كما أن الكره والسخط يعني جوهر الإلغاء للأشياء. كثيرا ما تزول الأشياء عن حقائقها بسبب غلبة أحد هذين، و غلبتهما لا تكون إلا في غياب العقل، فعدم حضور العقل في مثل أحوال ظهور العاطفة تكون النتائج ليست كما يُراد، بل تكون نحو الهَوِيِّ، و حينها لا يكون شيئٌ مُسِرٌّ.
في ملاحظة لأحوالنا نجد هذا الشيء ظاهراً، فغلبة الرضا تجعل السوء خيرا، و غلبة السخط تجعل الخير سوءاً. إذ في عدم ضبطهما تقليب للموازين على غير وجهها، و هنا مكمن الزلَّة الكبرى في تعاملاتنا مع كل أحوال و نواحي الحياة.
الرضا و السخط قانونا التعامل مع الوجود، ففي الرضا القبول لكل شيء، و في السخط الرفض لكل شيء، سواءً كان القبول و الرفض مطلقا أو باستثناء و تفصيل، فالشأن إنما هو حدوث ذلك تحت وطأة الرضا و السخط.