كرسي المتنبي

المجلس (17)

المجلس (17)

2014/11/28

1436/2/6

قال أبو الطيِّب:

و ما قضى أحدٌ منها لُبانَتَه | و لا انْتَهى أَرَبٌ إلّا إلى أَرَبِ

وَحْيُ البيت:

الإنسانُ أسيرُ سَعْيِهِ، فما دام ساعياً إلى شيءٍ فو في حُكْمِهِ، و سَعْيُ الإنسانِ لا ينتهي ما بَقِيَ في الحياةِ، فالحياةُ مليئةٌ بحاجاتِهِ التي تجعلُه في سَعيٍ دائمٍ لها، و لا يتوقَّفُ عن سَعْيٍ إلى لعلَّةٍ، و لا علَّةَ غيرَ الموت.

كلما علَتْ طموحاتُ الإنسانِ، و كلَّما اتَّسَعَتْ مدارِكُه ازدادَ سَعْيُه، و ازدادَتْ حركتُه نَحْو غاياتِهِ، فلا يَقِفُ على شيءٍ، و لا ينتهي إلى حَدٍّ، لأنَّ طموحاته في الحياةِ لم تنتهِ و لم تَقِفْ عند حدٍّ. و تقِلُّ حركةُ الإنسانِ عندما يُضَيِّقُ مدارِكَ طموحاتِه في الحياة، فيكون سَعيُه و تكون حركتُه في حدودٍ لا تتجاوزُ مَدَّ ظِلِّهِ. و ليس إنسانُ الحياة ذا، إذ إنسان الحياة أن يكون مثلَ الحياةِ تماماً.

لا نهايةَ لحاجاتِ الإنسان التي يسعى إليها، و كلُّ حاجةٍ نافذةٌ إلى حاجةٍ أُخرى، في سلسلةٍ لا تكادُ تُدرَك أواخرُها، و أصحُّ الناسِ مَن كانتْ حاجاتُه نوافذُ إلى حاجاتٍ أعلى و أسمى، حاجاتٍ أعمق و آفَق، حاجاتٍ أمْتن و أَبْيَن، لا إلى حاجاتٍ أقلَّ شأناً، و لا أوضغَ قَدْراً، و لا أنْزلَ قيمةً، و لا أضعفَ أثَرَاً.

كل الحاجاتِ مُفْضِيَةٌ، كما أنَّ كلَّ الحاجاتِ غيرُ مُنْقَضِيَةٍ، فلا تنقضي إلا حاجاتُ المَيْتِ، و لا حاجة غير مُفْضِيَةٍ إلا حاجة لا قيمة لها و لا معنى فيها.

أن تكون الحاجاتُ ناقلةٌ إلى حاجاتٍ فهذا دليلُ صحتها، و بُرهانُ منفعتها، إذ هي تُجدِّدُ للإنسانِ معنى وجودِه في الحياة، و تخلُقُ له أثراً إِثْرَ أثَرٍ، و تمنحُهُ تأكيداً لجوهرِه في هذا الوجودِ بالشُّهودِ في كلِّ شيءٍ يُمكنُه أن يكون فيه.

الإنسانُ ذو المعنى، المُدْرِكُ لقيمة وجودِهِ لا يَقْضِيْ في الحياةِ شيئاً، و لا يَنتهي منه، و لا يقطَعْه، بل يُكَرِّرُ ليُغيِّرَ، و يمنحُ ليُصلِحَ، فهو في كلِّ حالٍ حالٌّ مُرْتَحِلٌ، سائرٌ في رُبى زمانِهِ، طائرٌ في آفاقِ أكوانِهِ، ليكونَ إنسانَ آنِهِ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى