كرسي المتنبي

المجلس (16)

المجلس ( 16 )

29/3/1435

30/1/2014

قال أبو الطيب:

الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُجعان / هو أوَّلٌ و هيَ المحلُّ الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرّةٍ / بَلَغَتْ من العلياءِ كلّ مكانِ

وحي البيت:

الرأيُ هو الفِكْرُ، و هو المعرفةُ، فهو المُقدَّمُ في كلِّ شيءٍ، و هو الأوَّلُ الذي يَسبِقُ الخطواتِ العملية، فلا يصِحُّ شيءٌ لا رأيَ و لا معرفةَ و لا فِكْرَ عنه و لا متعلِّقٌ به، و كلُّ شيءٍ خلا من ذلك فهو هباءٌ و ضياعٌ.

الكبارُ لا يَخطُوْنَ الخُطواتِ في ميادين العملِ إلا و قد سبقَتْ إلى عقولهم معرفةٌ بذلك، و سبقتْ إليهم دِرايةٌ به، لتكون أعمالهم قائمة على بصيرة و إدراكٍ، و يَحْسَبُوْنَ لكلِّ شيءٍ حِسابه، فلكأنهم يَرونَ النهايةَ عند أُوْلى عتباتِ البداية، و هذه لا تلوحُ أبداً لمن يُقْدِمُ على عملٍ غير عارفٍ و لا عالِمٍ و لا دارِكٍ له، و مَن كان كذلك فعمله ضائع، و فسادُه إليه أسرع من صلاحه، و إن بدا فيه الصوابُ و تجلَّتْ فيه الصحةُ فهي مظنونة و غير دائمة، إذ ما لم يُبْنَ على علمٍ فهو وهمٌ، و الوهمُ هَشُّ القاعدة، وضيعُ الفائدة.

هذا معنى من معاني هذا البيت، و هناك معنى آخرُ يُناسِبُ أحوالَ الحوارِ و المُناظراتِ، و هو أنَّ الحقَّ يُنصَرُ، و الحقيقةُ تُظْهَرُ، بالبرهانِ و الحُجَّة، و هي هنا الرأي، لا يُقامان و لا يُظهرانِ بالقوةِ العمليةِ، التي هي هنا الشجاعةُ، فَمن زعمَ أنَّ الحقيقةَ التي يسعى لبيانها، و القضيةَ التي نَشِطَ لإظهارها لا تقوم إلا بأن يُبدي من قُواه العمليةِ ما يقدرُ عليه فهو يقضي باليقينِ على أنه لا يملك شيئاً.

و كلُّ حقٍّ نُصِرَ، و حقيقةٍ أُبِيْنَتْ بهذه الطريق فهي تستعجلُ الفسادَ و الإسقاطَ بسببِ أصحابها، و ما ضاعتْ حقيقةٌ إلا بسببِ مثل هذه الشجاعة الحمقاء، و لا بانتْ زيةفٌ ووهمٌ إلا بسببِ تجميلٍ للرأي و تلميعٍ.

معنى آخر أوحى به البيتُ، و هو مليءٌ بالمعاني، أنَّ أكملَ الشجاعاتِ ما كانتْ مبنيةً على علمٍ و برهان، و ناصرةً لفكرةٍ و رأي، و هذا ينقلنا إلى معنى آخر لا يغيبُ عن أصحابِ الرأي و المعارف، و هو أنَّ الحقيقةَ إذا لم تُنْصَرْ فهو مما يُشَكَّكُ فيه، و نُصْرَةُ الحقائقِ إما بِعَرْضِها و إما بنَقْضِ ما يُعارضها، إذا صحَّ بُرهانها، و سَلِمَتْ أُصولها و قواعدها.

لم يَضِعْ شيءٌ من الحقِّ كما ضاعَ بعملِ أصحابٍ له سَعوا له ناشرين و ناصرين، بالشجاعةِ الخاليةِ من أدب الرأي و العلم، و ما حُفِظَتْ أوهامٌ، خُيِّلَ للعلِ أنها حقائق، إلا ببراعةٍ في البرهنةِ عليها، و تطويع الأدلةِ و لَيِّ البراهين لخدمتها و هي لا تَمُتُّ إليها بِصِلَةٍ.

إنَّ قِوامَ الرأيِ و الحقيقةِ براهينُ مُنيرةٌ و قُوى نَصِيْرة.


مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى