المجلس الحادي عشر
25/12/1431
1/12/2010
قال أبو الطيب:
ولكن تأخذ الآذان منه على قدر القرائح والعلوم
وحي البيت:
كل شيء واردٍ على شيءٍ فهو على قدر إدراك المورود عليه لقيمته، و على قدر معرفته بمنزلته، كما الضيف تكون ضيافته على قدر منزلته عند مضيفه، و كذلك العلوم و المعارف، فعلى قدر ما يُدرك الإنسان من قيمتها يكون إدراكه، و على قدر معرفته بها يكون كذلك.
المعارف و العلوم حين ترِد على الإنسان فإنه سيكون محلاً لها، وهو في ذلك بين أن يكون مُحسنا الإكرام لها و إما أن يكون مسيئا، و لا يستبين شيء من ذلك إلا بقدر ما يتمتع به من معرفة عنها و بصيرة بها، إذ الجهل بالشيءِ مُعْمٍ عن الحقيقة.
منافذ الإدراك عند الإنسان تعطي القيمة للشيء بقدر ما تعرفه عنه، و إن كانت جاهلة به فلا يمكن أن تعطيه قيمة حسنة، بل القيمة السيئة هي الحكم الأساسي في عالم الجهل. و أما عالم العلم فالحكم الأساسي حسب ما تقضيه قوانين العلم.
العلم يحكم بالعدل، متى ما راعى الإنسان قوانينه و أصوله، و لا يكاد ينحرف عن القانون إلا بانحراف السلوك عند الإنسان في توظيف العلم و استعمال قوانينه، فإذا ما أتى إلى الإنسان شيء من المعارف و العلوم، أو أي شيء في الحياة، فإنه إذا تمتع بالعلم أتى حكمه عليها منصفا عدلا، وهذا ما لا ينكره ذو علم و عقل، و لهذا يبين لنا مدى الفرق بين حكم عالم و حكم جاهل.
و على قدر قوة العلم و المغرفة تكون قوة إدراك الأسرار العميقة في فهم الحياة وما فيها، فكلما اتسع العلم اتسع نطاق إدراك و تعمقه، فكما أن العالم يدرك أكثر من الجاهل، فكذلك الأعلم يدرك أكثر ممن هو دونه، فدرجات العلم و المعرفة درجات ارتقاء و تمييز، و كذلك درجات فهم.
كثيراً ما يكون هدم المعارف و العلوم و رفضها بسبب ضعف إدراكها كما هي، و لا تزال الإنسانية مليئة بهذا النوع من الناس حتى في عصر التقنية المتطورة جدا، فالسبب في عقول الناس أنفسهم، فلو منحوها تعرفاً يسيراً لأدركوا أن الرفض للعلوم و الحياة نوع من الحماقة، و لا يكون متعلماً أحمقاً إلا سلوكا، و أما الجاهل فأحمق عقلا.
و الجاهل هنا هو صاحب الجهل المركب، الذي لا قابلية عنده للتعلم لاعتقاده أنه يفهم كل شيء، حتى الأشياء التي لم تحدث ولم تُخترع أيضا، أما الجاهل البسيط، و الذي لديه قابلية التعلم فليس مقصودا، إلا إذا عُلِّم فأصر، فيكون خليل الجهلين.
كما أن الأشياء تدرك بالعلم و المعرفة، فكذلك تُدرك بالطبع، و تدرك بالحس النفس، و الذكاء الذاتي، فقبول و رفض الشيء من أول مجيئه عائد إلى الطبع و مدياه، القريب و البعيد، فالطبائع لها دورٌ كبير في إدراك الأشياء، و ربما تكون أقوى من العلم.
الطبع الإنساني يتكون وراثياً من أخلاق الآباء و الأمهات، و كذلك بيئياً و اجتماعياً، وهذه كفيلة بأن تصنع إدراكاً معيناً، و تصنع ردَّ فعلٍ معروف مُسبقاً، فكثيرا ما تكون التقاليد حاكماً جائراً، بسبب الوحي الوراثي أو البيئي.
الحياة كبيرة و واسعة و متجددة و متطورة، و لا يمكن لمثلها أن يُنظر إليها بعينٍ صغيرة، و لا عين عمشاء، و لا عين عوراء، و يقيناً أن العين العمياء خارجة عن التصنيف و الاعتبار، إنما ينظر إليها بعين واسعة، عين رأس و عين قلب، و إدراك عميق، لأجل أن نعرف منها كيف تكون حياتنا.
ففي السعة لا يجوز استحضار الضيق، و كذلك في الضيق لا تتناسب السعة، و في عالم التحرُّك يستحيل الثبوت، و في عالم الثبوت يكمن جوهر الموت، فإما أن نُدرك الحياة و العلوم و المعارف كما هي، و أن ننهل منها على قدر قرائحنا، و طباعنا، من حيث الجهد و السعي، و على قدر معرفتنا و علمنا بها، و إما أن نبقى في غير مقام الرافض، لأن رافض الحياة ميتٌ، و الميت مجهول الانتماء.