كرسي المتنبي

المجلس (12)

المجلس الثاني عشر
 6/1/2011
 2/2/1432
قال أبو الطيب:
تحقّر عندي همّتي كلّ مطلب       ويقصر في عيني المدى المتطاول

 

وحي البيت:

الهمةُ هي السر الخفي الذي يبعث نفوس الكاملين نحو السماء، فلا تدعهم في هدوء، و لا تُبقيهم في هناء، إلا إذا بلغوا الغاية و أدركوا الهدف، و هي التي تُمايِزُ بين الناس، فما بين إنسان نال بسببها شرفاً سامياً، وما بين آخرَ نال بسببها ضَعَةً سيئة. فهي جوهر كمال، و قيمةُ الإنسان و نَفاسَتُه، إذ من خلالها يُعرَف مُراده، و يُعرفُ قصده، و يُعرفُ هوى روحه. ليس من أحد إلا و يدَّعي أنَّ له همةً عالية، همةً تناطح السحابَ، همةً لا يُعلى عليها، و لكن ليس كل أحد سيأتي بالإثبات على دعواه، إذ براهين دعوى الهمة أفعالٌ تُحَسُّ و تُدرك، لأجل هذا فالهمامُ لا يهدأ له بالٌ إلا إذا حقق المراد، و لا يطمئن متوقفاً بعد جُهد المسير، حيث أن وقوفه و انقطاعه عن المسير إثباتٌ على ذاته أنه ليس هماماً، و من خُدِشَتْ هِمَّتُه قُتلتْ عزيمته.

الهمةُ استصغار كل شيءٍ دون النهاية المرادة، و استقلال كل غِنَىً دون الغِنى المقصود، و استحقار كل شرَفٍ دون الشرَفِ المروم، هي وضع كل شيءٍ دون الغاية الكبرى في مكان اللا اعتبار، ومحل اللا شيء، ليستفزَّ الهمام نفسه و روحه للجِدِّ في السعي لبلوغ غايته، فهي تجعل كل شيءٍ ليس هو ما يقصده الإنسان لا شيئاً، و تضعه كالعدم، إذ الهمَّام لا يرضى بالدون، و لا يقبل الأقلَّ.

الهمة تجعل البعيد قريباً، ليس بذاته، و إنما بسعي الهمام، فهو لن يدَّخِرَ جُهداً في السير إلى غايته، فالأوقات تتقاصر كثيراً أمام همته، و البعيد يُغْديه قريباً، فلا الزمان يُجري عليه حُكمه، لأنه ينظر إلى غايته، و لا الطريقُ تُوحشه، حيث تؤنِسُه حاجته، فتكون الأزمنة الطِوال كالقصار، و هكذا يبلغُ الهمامُ المُجِدُّ.

الهمامُ أحد أربعةٍ: أحدٌ يُدرك بأن يمتلك كفاية للأمور الكبار، فيقصدها بهمةٍ تتناسبُ معها، فهو ذو الهمة العظيمة، التي لا يوقفها شيء، فتضطرب نفسه معها، و لا يكاد يجد الراحة إلا حيث الغاية. وثانٍ يدرك أن فيه كفاية لها و لكنه متقاصرٌ عنه، تاركٌ لها، تحقيراً لنفسه و تصغيراً لهمته، فهذا ناعتٌ نفسه بحقارة الهمة. وثالثٌ عرفَ قدرَ نفسه تجاه العظائم، و أنها لا تُطيقُ حِمْلاً، فنأى بنفسه على أصْلِ ” من عرفَ حدَّه وقفَ عندَه”. و رابعٌ من لزِمَه العجْزُ عن الخوضِ فخاضَ ادِّعاءً، و تحمَّلها تباهياً، فترْمِيْه في سحيقِ المنزلة، حيثُ المفاخرةُ بالخواءِ ترْمي في الخلاء.

إذ كانت الهمة بذا الحال و المقام، فإنها لا تكون تامةَ المِدْحَة حتى تكون على مسيرة من الضبط، وذا أساس الشرْط، فيكون مرسوماً لها طريقٌ إلى غايةٍ مطلوبة، تكون الطريق واضحة المعالم، متوافرة الآلة، موضوعة الحوافز البواعث، فلا تكون الهمة إلا لغاية معلومة معروفة مُدرَكة، يراها صاحبها رأي العين، و لا تسير الهمةُ بالهمام إلا على طريقٍ مرسومة، ليعلم الهمام أين يضع أقدامه، و أين يسير، و إلى أين، فإن فقد شيئاً من هذه فإنه سيكون خابطا خبْط عشواء، و حاطباً احتطاب الليل، فلا يظفر بصفاء، و لا ينهل من نقاء، و تسير بزاد الطريق، زاد الروح و الجسد، فالغايات لا يُوْصَل إليها إلا بمعينات من الحياة، قوةِ الروح، قوةِ العزيمة، شَدِّ السير، قياسُ ومعايرة و تقييم الجهد، حتى يُدرك ما بذل وما منع، و ما قطع و أنهى من الطريق للغاية.

حينما لا تكون الهمةُ مُحاطةً برسْم التخطيط، و تحديد الهدف، وتوفير الحوافز و المعينات، و تحديد مدة السير إلى الغاية، سيصيب الهمة داء السفول، فتهوي من علوِّها، و تنزلُ من سمائها، و إن أُحيطت بذلك، و شُحذت مراراً أدرك الهمام المراد بغاية الإسعاد.

تلك الهمةُ جوهرٌ من جواهر الروح، موضوعةٌ في كل مخلوقٍ شريف، و كل إنسان لديه همةٌ لا تُشبه همة أحد، بل هي متفردة منفردة، ممنوحة لذاته وحدها، وليست الهمة إلا شيئاً واحداً عند كل الناس، و إنما يختلفون في توظيف الهمة و تفعيلها، فمن رامَ سماءَ المجد فليدع همته تسبقه و تسحبُه، و من لم يرُم فلينَمْ، و ليدع القوافلَ سائرة، لتظفر بالغاية الآخرة، و ليكن حِلْسَ عجزِه، و حِبْسَ هَمزه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى