المجلس الثالث عشر
14/9/2011
16/10/1432
قال أبو الطيب:
وما الخوفُ إلا ما تخوَّفَه الفتى وما الأمْنُ إلا ما رآه الفتى أمْنا
وحي البيت:
الإنسان هو الذي يجعل من الأشياءِ أشياءً تحملُ اسماً أو وصفاً، و تكون على حالٍ ووضعٍ، وهي في حقيقتها ليست إلا شيئاً صِرْفاً، لا تنتمي إلى شيءٍ، مُذبذبَةً بين الجانبين، فهي إلى أيهما أقوى جذباً، و تتبعُ أيهما أشد جلباً.
تمرُّ بالإنسان أحوالٌ يراها حسَنةً نافعةً، و يراها غيره، وهي ذاتها، قبيحة مُضرَّة، و الأحوال لم تتغيَّر لدى الشخصين، و إنما الذي تغيَّرَ لديهما هي تلك الرؤية لهذه الأحوال، فالرؤيةُ هي التي تحوِّلُ الحدثَ، أو الشيءَ عامةً، إلى أحد جانبيه، الجمال أو القُبْح.
تلك الرؤية تتكوَّن لدى الإنسان من خلال ثقافته و معرفته التي تأسَّسَ عليها، أو من خلال التجارب التي مرَّ بها، و الأصلُ أنها تتكوَّنُ من خلال النفس و الروح، فالنفس و الروح إذا كانتا في صفاءٍ و نقاءٍ كانت الرؤية للأحداث و الأحوال جميلة مُفعمة بالتفاؤل، و إذا كانت على ضدِّ ذلك كانت رؤيتها للأحوال قبيحة مليئة بالتشاؤم.
حينما يمتلئُ الإنسان بالطموحِ و النظرة لمستقبل مُشرقٍ يرتقبه و يسعى إليه ستكون رؤيته لكل شيءٍ رؤيةً جمالية، لأن الجمال الذي ملأه من خلال تلك الرؤية و الطموح الذي غمرَه لا يقبل أن يَصِل إليه شيءٌ يجعلُ فيه قُبْحاً، فهو أبيضُ لا يقبل بشعرةِ القُبح السوداء. و على قدر ما لدى الإنسان من الطموح و ما يسعى إليه من هدفٍ و غاية و ما يمتلك من همة و عزيمة تكون الرؤية الجمالية الحسَنَة لأحوال الحياة.
و حينما يكون الإنسان قد امتلأ بالفراغ من الطموح و غياب الهمة و موت العزيمة و فُقدان الهدف و الغاية فإنه لن يرى حسَناً في أحوال حياته، على قول الشاعر:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونه ورأى حسناً ما ليس بالحسَنِ
و أيضاً رأى سيئاً ما ليس بالسيئ.
الأحوال نتعاملُ معها من خلال تلك الرؤية الذهنية لدينا، فإذا كانت الرؤية تخدمُ مصالحنا و أهدافنا النبيلة كان تعاملنا كذلك، فنرى في الظلام بريق الضوء، و نرى في الموت نبض الحياة، و في المرضِ علامات الصحة، و في الضيقِ مهيَعَ السَّعة، و في كلِّ سلبيٍ وسيءٍ من الأشياءِ إيجابياً و حسَناً. و إذا كانت الرؤية لا تخدم تلك المصالح و لا تحقق الأهداف فإن أصحاب هذه الرؤية، السوداوية، يرون النهارَ عتَمَةً، و الحياة موتاً، و العافيةً بلاءً، و الجمال قُبْحاً، و يسعون لنشر ذلك من خلال تعابير الوجه و تصرفات الجسم، و لا يلبث بهم الحال إلا أن يكون في أخبار كان.
من أنفسنا، و من داخل العقل لدينا تتكون رؤيتنا للحياة، فلنكن كما نريد من خلال التكوين و التهييئ الذهني، و سيكون التعامل مع الحياة كذلك.