المجلس الثاني
21/8/1428
3/9/2007
قال أبو الطيب المتنبي :
وَحِيْدٌ مِن الخِلانِ في كُلِّ بَلْدَةٍ إذا عَظُم المطلوبُ قَلَّ المُساعِدُ
وَحْيُ البيت : الوِحْدَةُ غُرْبَةٌ ، و الغُرْبةُ حالُ أهل الهممِ ، و نعتُ أهل الكمالِ ، فلا نظيرَ لهم ، و لا شبيه بينهم ، متفردون بما يُساورُ قلوبهم من هَمٍّ ، و منعزلون بما تعتريهم مِن هِمَّةٍ ، فأُنْسُهُم في غُرْبَتِهِم ، و عُرْسُهم في ظُلمتهم ، يستوحشون من الناسِ حيث التفارُق ، و يأنسون لقلةٍ إذ التطابُق ، و ليس يَرِدُ على الفِكْرِ أيُّ توافُق . فترى أولئك الذين يأنسون إلى الخلوات ، و يستديمون المُكثَ في الفلوات ، ما ساقهم لذاك ، و لا اضطرهم إليه إلا وحدةً يجدونها في أزمنتهم ، فَحَمْلُ ذي الهمةِ ما يستعلي به على أبناءِ جنسه ، و ما يسترفعُ به نفسَه على أهل زمنه شئٌ كبيرٌ ، و خطَرٌ عظيمٌ ، لا يقومُ به إلا مَن أوتيَ بمثل ما أُوْتِيْهِ ، و أُعطيَ ما أُعطيْه ، و من ليس كذلك تجدُه فراراً خواراً ، و ليس للحاجات إلا رجالاتٌ ، و للحويجات رُجيلات . في حالٍ كهَاتِهِ الحالة يكون الكبيرُ الهمةِ وحيداً ، في : معيشته ، مسيرته ، همته ، فكرته ، صِفته ، ميتته ، لأنَّه قد فقدَ مَن يُشاكلُه في همِّه و همته ، و فقدَ مَن يُساعده و يُعينه ، حتى إنه ليجد مِن جسدِه عجزاً عن حملِ الهمِّ ، و من رأسِه ضعفاً من نَقْلِ الهمة ، فحُقَّ له أن يكون وحيداً . و ليستْ القِلَّةُ في الأشخاصِ محصورة ، فرُبما كانت في المالِ ، عصَب الحياة ، فبالمالِ يُدرِك الكبيرُ ما لا يُدرَك ، و كانت آهاتُ الكبارِ في قلتِه ، و صيحاتهم في فَقْدَتِه ، و لا يُعْطى كرمُ النفسِ إلا لمن هو لها أهلٌ ، و يُحرَمه مَن دون ذلك . و ربما كانت في الجسَد المُشتَمِلِ على ذاك المطلب ، إما لعجزٍ أو لضعفٍ ، فليس من شأن الهمةِ تناسُبُها معَ الجسد . و قد قال أبو الطيبِ ذاتُه :
و إذا كانت النفوسُ كِباراً تَعِبَتْ في مُرادها الأجسامُ
و ما أحقّ بالرأفةِ و العطفِ إلا صاحب مطلوبٍ يتيقَّنُ طِيْبَ ثمرته ، فيُحرَم منه بعجزٍ من ذاته ، و يُحرَم منه بتهرُّبٍ مِن غيرِه ، و أما الآخرُ الذي همُّهُ و همتُه في الأرضياتِ دون السماويات ، و في السُّفلياتِ دون العَليات ، فله ما أراد ، و شأنه ما اختار ، و { الله أعلم حيث يجعل رسالته } .
و لا يطرأنَّ على الكبيرِ القدرِ و الطلَبِ أنه وِحدَته عيبٌ يُعابُ بِه ، و إنما هي تفرُّدٌ في كمال ، و توحُّدٌ في تمامٍ ، و تخصيصٌ من عمومٍ ، ليَبِيْنَ الجوهرُ المكنون من الزيفِ المأفون ، و ليُمَحَّضَ بالتخليصِ لينالَ التخصيص ، و لو كان عيباً لما كان لهمته فخرٌ ، و لا لهمه شرفٌ . و قِلَّةُ السالك في الطريقِ من علائمِ الصِدق في المقاصد ، إذ لا مجَدَ إلا بِلَعْقِ صَبِرِ الصَبْرِ ، و العسَلُ لَسْعٌ في أخذِهِ و ذَوقِه ، و حلاوته في كلٍّ . و الوحدةُ متفاوتةٌ بتفاوُتِ الهمِّ و الهمة ، و بتفاوتِ الهمِّ و الهمةِ كانت المطالبُ في تبايُنٍ ، و في ذاك الاختلاف و التبايُنِ شُمولُ الإعمار الفكري ، و الإعمارِ العُمراني ، و الإعمارِ الاجتماعي ، و الإعمارِ بعمومٍ و شمولٍ .
و ما مُدحَتِ الوحدةُ في شئٍ كما هي هنا ، في هذه الحال ، حيثُ المخالطةُ سوءٌ يلحَقُ بالكبيرِ فيُوقِعه أو يُضعِفُه ، و في جاري الأقوال : الوحدةُ خيرٌ من جليس السوء ، و أيُّ أسوأ ممن يهدمُ فكراً منيراً ، أو يُضعفُ عزماً متيناً ، أو يُشَوِّشُ مسيرةً ، فيُحدِثُ تشغيباً ، فلا هو نافعٌ بناءً ، و لا تاركٌ عناءَ ، فكان من بابَّةِ { الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله } ، فلم يقم بالهمِّ بهمةٍ ، و لم يَدَعِ القيامَ بالمهمةِ ، و إنما اعترضَ بسوءٍ ، و أفسد بسوء فكان أليقُ به : أحشفاً و سُوءَ كَيلةٍ .
و تمامُ الكِبَرِ في المطلب ، و كمالِ العِظَم في المقصَد صدودُ البالِ عن القُطاع ، و انصرافُ الذهنِ عن الحُجاب ، فسيرورةُ الكبيرِ القدرِ ، و العظيمِ المطلَبِ في تحقيق المُرادِ بهمٍ تَحكُمهُ همةٌ ، مسيرٍ تقودهُ عزيمةٌ خيرٌ من انتظارٍ لخفاشِ الظلام ، أو بُومة الغَلَسِ ، فيُضعِّف و يُهَوِّن . هذا بيانٌ لأهل الكمالاتِ أنَّ الطريقَ أهله قليلٌ ، و لا ماءَ و لا ظلٌّ ظليل ، فلكلٍّ ضريبةٌ ، و ضريبةُ الكمالِ الغُربة ، و ضريبةُ السُّموِّ الوِحْدة ، و ضريبةُ الكرامةِ القِلَّةُ ، فمن رَغِبَ بالغايةِ فليحتملِ الضريبة ، و من لا فلا ، قانون الكمال لا يُبَدَّل ، و دستور المجدِ فلا يُغَيَّر ، فـ ” الطريقُ المفروشُ بالرياحين لا يقود إلى المجد ” ، و لا تُنالُ المطالب بالرغائب ، و لا الوجيهة إلا بالكريهة .