تعاليم الحياة

خُطوة الأُفُق

” أنتَ الحيُّ لا ميْتٌ يُنقنِقُ وَسْطَ مُسْتَنْقَعْ” د. عبد الله الحامد

آفاق الحياة واسعة و كبيرة أمام عينَيِّ الإنسان، و مدى آماله لا ينقع إليها، و إنما يتجاوزها إلى أبعد منها، و لا حدَّ للآمال مهما كانت، حيث أنها ولاَّدةٌ معطاءة. و الإنسان في حياته تتفتَّحُ له أبواب آمالٍ كِثارٍ، فكثرةٌ في جديد، و كثرةٌ في تجديد، و هو منها و بها و فيها و عليها و إليها و لها، في كل حالٍ من حياته، لا يرنو إلى ركون، و لا يقف عند دون، فكل ذي أملٍ و همةٍ، فالمأمول و المهموم إليه نفيس، فعلى قدر النفسِ تكون النفائس. هذا الإنسان حين يرتقبُ القادم، و ينتظرُ فجره، و يُديم تأملاتِه في نجومه، إنما هو إنسان رأى ذاته غيرَ الآخرين، رأى ذاته غير ما هي عليه عند الباقين من الناس، رأى ذاتَه ذات أثرٍ يُنتظر، رأى أنه يجب أن يكون إنسانا مختلفاً، إنساناً ممتازاً، إنساناً ليس له شبيه. هذا الإنسان أدرك أنه ما وُجدَ لملءِ فراغٍ في الكون، و إنما وُجدَ لملءِ وظيفةٍ شاغرة، لا يقوم بها سواه، فكل إنسان يُوجد تكون معه مهامُّ وظيفته التي ليست إلا له، و التشابُه لا يَعني الإغناء.

إن هذا الإنسان إن أراد أن يخطوَ إلى أُفُقِ الوجود، و أن ينتقل إلى عَرْشِ الشهود فإنَّ عليه أن يعترفَ بأنه صاحب غاية، و صاحب هدف، و حامل رسالة، لتكون الخُطوات واثقة على أرضٍ راسخة، لا أن يكون خاطياً على أمواج الاضطرابِ و على أقلاق الرياح، ليعترفَ بأنه شامخٌ في إرادته، راسخٌ في عزيمته، باذخٌ في ثراءِ همته، ليعترفَ بأنَّه سيد نفسه، و أنه ملِك روحه، و أنه الكبيرُ في ميدان ذاته، ليعترفَ أنه الأميَزَ، حتى يكون إقدامهُ مِقدامه، و أمامُه إمامه، و محرابُه حِرابُه، و قِرانه قُرآنه، و سِنُّ سَننُه، ليكون بذلك كله مشهوداً له أمامَ نفسه بأن أهلٌ و مُستحقٌّ لأنْ يكون فاتحَ الآفاق.

ما يمنع الإنسان السميع البصير العاقل الواعي العارف المُدرِك أن يكون كما يريد هو أن يكون، لا أن يكون كما يُراد منه من بني جنسه و ناسه، من أراد خطوة الأفق إنما يقف مع نفسه، يقف مع ذاته، يقف مع مراداته، يقف مع رسالته، يقف مع غاياته، لينطلق منها، و لتكون هي مطارُ نفسه إلى آفاق الكون، ليصنع بتحليقه هناك مجداً لا يكون إلا له، و لمن فعل مثلَ فعله، و في هذا تنافسُ الكبار، و أما الصغار فإن تنافُسَهم في توافِهَ و سفاسف، و كلُّ إنسان بما أنزل نفسه.

عندما تؤمن بشيءٍ، و ترى جدواه لك، فأقدم مثل قنبلة موقوذة، لا تقف إلا عند الهدف، انطلق بسرعة الضوءِ عما أنت عليه، غادر مكانك إلى غايتك، انطلق إلى نهايتك بقوة لا تؤمن بالضعف، و إنما ترتضي الموت أو تصِل إلى نهايتها، انطلق بكامل القُوى، و بمنتهى العزم، و بنفيس الطموح، لينتهي بك الحالُ حيث أردتَ و حيثُ رغِبْتَ و حيث طمحت و حيث اهتممتَ و حيث عزمتَ و حيث أنت، و أنت فقط.

هناك، حتما لن تُرخي سمعك لأحد، و لن تُصغِيَ أُذنيك لكلام، و لن يعيقك عائق، لأنك المؤمن بما أنت عليه، و لأنك السائر بقواك كلها حيث براهينك القاطعة لجدوى ما أنت عليه، و حينها كلام الناس ليس شيئا، إنما هو مع الريح تسفيهِ، و مع الأيام تُقصيه، و مع التقدُّمِ أنتَ تُرديه، أقدْم فلا تلتفت إلى الآخرين مهما كانوا، أقدم كاسراً كل العوائق و كل الموانع و كل الحواجز، أقدم بقوة لا تُعقلْ، أقدم و كأنك أنتَ فقط في هذا الكون، أقدم بإيمانك، أقدم بيقينك، أقدم بثقتك، أقدم بكَ أنتَ، تحدوك المبادئ، و تحثُّك العزيمة، و يُناديك المجد، أقدم و اترك خلفك قُطاع الطريق عن الأمجاد، أقدم و اترك خلفك كل صارخٍ بالتفتير و التتبير، أقدم فليس الطريق إلا لك، و ليس الآخِرُ إلا لك، و ليس غيرك يستحق أن يكون في المقام الأول إذا كنت قادراً. عندها لا يثبت إلا الصحيح، و الصحيح هو اليقين، و اليقين أنتَ و غيرك بالنسبة إليك شكٌّ، فلا يُقطع يقين الذاتِ بشكِّ الآخر.

لا وصولَ إلى الغايات إلا باختراقِ الحواجز، و شَقِّ الصِعاب، و ارتقاءِ الطِوال الشامخات من جبال الهمِّ على أقدام العزم، و لا يمكن لأحد أن يُدرك شيئاً إلا بحفرِ أرضه بمعاولِ الرغبة الجامحة، و الشوق الضخم، و التوق الكبير، و لا يتم ذلك إلا باضطراب النفسِ على سرير الحصى، في ظلام الليل البهيم الذي لا يرى أقماره سواه، فكل الناسِ في نومٍ و هو يصنع سؤدداً، و كل الناسِ في ترفٍ و هو يبني في شُرُفٍ، و كل الناس في هدوءٍ و هو في اضطراب نفس، حيثُ همةٌ تختلج، و نفسٌ تضيءُ لروح تضطرب. ومن كان كذلك أدرك يقينا.

يُجاوز تلك العقبات، و لا يُلقي بسمعه إلى القالات و العبارات، لأنه لا أحد يؤمن بما آمن به هو سواه، و لا يعرف قيمة الذهب عاشق النحاس، و لا يُدرك جوهر الألماس بائع الزجاج، فيُعرض عن الجاهلين بذاته، و بهدفه، و بغايته، و بمراداته، و بنهايات طموحاته، ليصدعَ للتاريخ كله، و للكون جميعَه بما أمرتْ به ذاته، و أملتْ عليه طموحاته، يصدعُ بقوةِ بُرهانه، بقوةِ بيانه، في قوةٍ من أعيانه، لقوةٍ في شأنه، ليؤمنَ من يؤمِنُ، و الميعاد ميدان السباق، حينها يجد نفسَه قد حققت و تحققت حيث أيقنتْ و صدقتْ و آمنتْ فأمِنَتْ فارتختْ.

تلك المفاوز الكبار، و تلك الآفاقُ البِعاد، و تلك الهمم العوالي، و تلك العزائم القوية، و تلك الطموحات العظام، لا يمكنها أن تكون شيئا هامشيا، و إنما ستكون شيئاً مذكوراً في الكون كله، و سيشهد التاريخ لصاحبها، لكَ، و ليَ، و للجميع، لكل من فعل ذلك بأننا عرفنا الوظيفة، و أدركنا المهامَّ، فأدينا واجب الذاتِ الكوني، فتحقَّقَ لنا من الوجودِ الشهودُ، و عندها ستكون عيون المجد تبرقُ بدموع الفرحِ لمن خطا خطوات صناعة الآفاق، و يكون التاريخ فاتحاً أبوابه على مصراعيها، و يكون النجمُ في طرَبٍ، و القمرُ في بَسمة، و الشمسُ في وَهَجٍ، و الأرواح في أُنسٍ، حيث أن هذا الإنسان أثبت للناسِ أنه ليس شيئا مجهولاً، و أنه صنع من نفسه ذاتا تفتح آفاق الوجود لينال بذلك لقب الإنسان المشهود. محقِّقاً وعدَ ” سنُريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم” فلا تتحقق آيات الآفاق إلا بآيات الأنفس، و آياتُ الأنفس لا تأتي إلا حين الإيمان بها.

كل ذلك سيكون حتما عندما تكون المغامرة، و ركوب الصعب قبل الذلول، و خوض المكاره، فما يكون الإثبات إلا بالقهرِ و الإتعاب، و لا يكون الإيجاد إلا بمزاولة البحثِ في الأعماق، وما من مجدٍ كان، و لا يكون، و لا سيكون، إلا من خلال مصاعبَ مُهلكة، ليكون الداخلون أهلاً و مُستحقين للقبِ المجد، و مستحقينَ لوصف الكمال، و مستحقين لنعتِ التألُّق، و التاريخ لا يحفظُ إكراماً و إجلالا أيَّ أحد، ومن حفظَه التاريخُ بصدقٍ فهو مُستحق. وما حفظ لنا التاريخ إلا أناساً خاضوه بقوة الذات و الطموح و الغاية. إن لم يكن الإنسان كهذا، فليس له إلا أن ينأى عن الطريق، و يقعُد مع الخوالفِ على جنباتِه، فمن رضي بالقعود أُقْعِدَ، و من انتهضَ أُنْهِضَ، و من استسلمَ سُلِّمَ، و من خاضَ فاض، و من أبصَرَ نَصَرَ، و من احترق اخترقَ، ومن سَبَقَ لَبَقَ. ومن لا فلا. ومثل هذا النوع لا يحفلُ به التاريخ، و لا يفرح به الناس، فخروجه كدخوله، جاءَ بلا شيء، و يخرج بلا شيءٍ، فهو ميتٌ في الحياة، و ذاك الأول حيٌّ في الممات، فلنكن ممن خطا إلى الأفقِ بقدم السباقِ لنصنع مجداً ينتظر، و لا نكونُ كـ ” ميْتٍ يُنَقْنِقُ وَسْطَ مُسْتَنْقَعْ”.

هامشٌ: في زمنٍ ماضٍ كنت قد ظفرتُ بشريط صوتي لأبي عاصم، الدكتور عبد العزيز الأحمد، اسمه يحوي الكثيرَ من المعاني، يُدركها كل إنسان بما يحمله من همٍّ، كان اسمه ” بُشرى”، غاب عن الأعين، و لا زال، كانت فيه قصيدة جميلةٌ، رنَّانةٌ الصدى، عميقة المعنى، زادها جمالاً تلحين بديعٌ، له وقْعٌ على القلبِ قبل الأذن، كنت أستمعها بأذن القلبِ و العقلِ و النفسِ، و أما أذن الرأس فإنها بوابة العبور، هذه القصيدة تبدأ بـ ” تقدم أيها الجبار” و تُختم بـ” فأنت الحيُّ لاميْت يُنَقْنِقُ وَسْطَ مُسْتَنْقَعْ”و كأن البداية رسول النهاية. فلأبي عاصم أوفر الشكر، لك أيها الصديق الجميل زواجل الشكر الجزيل على هذه المقطوعة، لك أيها المعطاء كثير الثناء، لك لأجل هذه فقط، و لأجل الشريط أغلبه، أُزجي لك التحايا، فلا أظن أن إنتاجاً فاق إنتاجَك هذا، لا من إنتاجك و لا من غيره، فلتأذن لي أن أبوحَ بأن ذاك الألبوم الصوتي يطيب لي أن أُسمِّيْه ” دستور المجد “. فمن رامَ فليكن هذا معه، و لتكن الحامدية تَحْمُدُ مسيرته.

وهذه هي القصيدة مُهداةٌ:

http://www.youtube.com/watch?v=FbdDTiyYzLE

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى