تعاليم الحياة

قلقُ الأمجاد

على قلَقٍ كأنَّ الريحَ تحتي/ أوجهها يميناً أو شِمالاً

أبو الطيب المتنبي

حينما يُجِدُّ الإنسانُ عقلَه نحوَ أُفُقٍ مَّا سيعتريه من القلقِ و الهم ما يعتريه، و هو في ذلك بين حالَيْ أحد رَجُلَيْن: رجلٍ يحثُّه القلقُ و يدفعه دفعاً، و رجلٍ يجتثُّه القلقُ فيمنعه منعاً، و هو فيهما و إليهما على قدْرِ أُفُقِهِ عنده، فمَنْ عزَّ عنده أُفُقُه عزَّ عليه الاجتثاث، و مَن هانَ عنده أُفُقُه هان عليه المسير. فقلقُ الأولُ من الاستعدادِ و التهيؤ و النظرِ للكمال، و هي التي تعتري العُظماء الكبار، و قلقُ الثاني آفَةٌ و عجزٌ، لا تطرأ في حالٍ على كبيرِ الهمة.

يعيش الإنسان الطَموح إلى الأمجادِ قلقاً لا يتركُه مُستقراً على حالٍ، حتى لكأنه على نارِ زيتٍ تغلي تحته، يتقلب حيناً هنا و حيناً هناك، و يدومُ كذلك حتى لو ظفر بمطلوبه، فالمجدُ يَلِدُ رغبةً في مجدٍ آخر، و تستمرُّ السلسلة في حلقاتٍ لا تنتهي إلا حينما ينتهي الإنسانُ، و لا ينتهي ذو المجد عن طلَبِ الأمجادِ إلا حينما تقف الحياةُ فيه عن الاستمرار، و ربما وقفَ.

إن أمجادَ العظماءِ تتعدَّدُ، و لكل مجدٍ قلقٌ يُناسِبُه، و لا يُدرِكُ القلقَ إلا مَن رامَ الأُفُق، و مَن لَزِمَ بساط الأرضِ لم ينهضْ، و نفسُه في معاني القلقِ لم ترتض، و استقرَّ في وَتَدِ الراتعين.

إنَّ قلقاً يضربُ في نفسِ العظيمِ حتى يختلفَ عليه ليلُه و نهارُه، و يتوه في مكانِ دارِه، و يحتار في مفارقِ الطُرُقِ أيّها يسلُك لهو قلقٌ لا يقبلُ لصاحبه أن يكون في الأرض، فيُعليه نحو السماءِ، و يبلُغُ أمجاداً لا يبلُغها لولا القلقُ.

و إنَّ قلقاً يأخذ صاحبَه ليرْكُنَه في زاوية الزمانِ، متروكاً مهجوراً، لا يُؤْبَهُ به و لا يُنظَرُ إليه، لَهو قلقٌ حَرِيٌّ ألا يقبلَ به إلا من شقَّ نظرُه أسافل الأرضِ، و احتفر لنفسه مَدفناً، فلم يكنْ مذكوراً، و إنَّه لقلَقُ السوءِ، و صاحبُه ذو سوأة.

و الإنسان هنا، في حياته، مِلكِ يدِه، في خيارٍ بين القلقين، إما أن يكون إلى قلقٍ يُعليه، و إما إلى قلقٍ يُخفيه، فإما أن يكون ممن لم يقبلْ غيرَ السماوات أرضاً لطموحه، و إما أن يكون ممن جعل الأرضَ غايةُ سماواته.

حينئذ نُدرِكُ أن الإنسانَ العظيمَ إذا اعتراه قلقٌ و خوفٌ و تردُّدٌ إنما ذاك لأجل قوة الباعثِ نحو الكمال، لا لأجلِ الضعفِ و الخَوَرِ، فالعظمةُ قُوَّةٌ لا يلِجُ ميدانها ضعيف، و حينما نرى الضعيف جسوراً فإنَّنا نُوقِنُ أنه عن غيرِ بصيرة أقبَلَ، و على غيرِ هدايةٍ من عقلٍ اقتحم، و بحماقةٍ لا نهايةَ لها إلا نهاية السقوط غامر، و كذلك قلقُه كجسارته.

إلا أن قلقَ العظماءِ لا يكون خالياً، و لا يكون فارغاً، و كذلك لا يكون هباءً منثوراً، إنما يكون مليئاً بالنظْرَةِ نحو القادم، فلا يضَعُ العظيمُ قدَماً له في موطِنٍ إلا وهو راءٍ فيه مكاناً مهيئاً، و يجدُه مكاناً مناسباً لثبوتِ القدم، فلا تزولُ بعد الثبوت، فيكون هنا القلقُ باعثاً حميداً، و ذا شرطُ حَمْدِه.

و على قَدْرِ المرسومِ في الأُفُقِ من أمجاد الوجودِ يكون القلقُ إليها، فكلُّ مجدٍ علا كان له قلقٌ شديدٌ، و كلُّ مجدٍ سما يكون له قلقٌ كالسماء، و كلُّ مجدٍ بقلقه، و كلُّ قلقٍ لمجده، و الإنسانُ وليدُ همته.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى