تعاليم الحياة

أطلالٌ و إطلالةٌ

أطلالٌ و إطلالةٌ

الوقتُ هو الإنسان، و الإنسانُ إن لمْ يَكنْ حاضراً في وقتٍ لم يكن الوقت حافظاً له. هذا الوقت بهذه الحالة يحتاج إلى عناية من الإنسان عامرةً له، مميِّزَةً إياه بما يختلف فيه عن غيره، فإن لم يقُم الإنسان بذلك لم ينَلْ الوقتُ منه شيئاً مذكوراً.


عندما يعتني الإنسان بوقته فإنه يعتني بحياته كلِّها، الاعتناءُ بجزءٍ من الوقتِ يُعادل الاهتناءَ بكل الوقت، إذ الوقتُ بالعناية به لا بالعَدِّ له، و هنا يكون حضور العظماء من الناس في مَشْهَد الخلود في التاريخ، فهم حضروا فيه بقوَّةٍ، حضوراً أحدثَ فيه أثراً لهم.


يمرُّ الإنسان بِوقْتَيْن، أحدهما ماضٍ و الآخرُ حاضرٌ، بينهما لحظة انتقالٍ لا يُدركها الإنسان، عندما يُدركها فإنه يكون قد أدركها من خلالِ الوعي و العيش بها، فهو يكون مُلْتَفِتاً إليها، إلى اللحظةِ الناقلةِ، و ناظراً إليها نظرَ الإنسانِ الذي سيكون له دورٌ حاضراً هو فيه.


الوقت الماضي هو وقتٌ رحلَ بما فيه، يقِفُ الإنسانُ على أطلالِهِ، ينظرُ و يُنادِمُ، ليس له من ذلك إلا مراقبةً تنقلُه لمرحلةِ التطويرِ و التجاوز، يُطوِّرُ الجميلَ فيها ليكون في الحاضرِ أفرَ و أجمل، و يتجاوزُ ما ليس جميلاً، أو لم يكن بالصورة المرسومة، فلا يشتغلُ به، و لا ينقله إلى الحاضر إلا إذا كان مهماً، و يصعُبُ عليه الاستغناءُ عنه. إلا ما كانَ حقَّاً لغيرِهِ، فحقوقُ الآخرينَ لا تُعلَّق.


أن يقِفَ الإنسانُ على الماضي وقفةَ الجلادِ، وقفةَ المحاسِب، هو بذلك يُوقِفُ نفسَه عن الخَطْوِ قُدُماً، فيتوقَّفُ عند تلك الحظة مسيرُ حياتِه، إذ الوقوفُ عند نهاية الماضي، و النظرِ فيه، هو قطْعٌ لنظرِ للحاضر، و مَن غابَ عن حاضرِهِ لم يَرَ مُسْتَقْبَله. و هنا نعرِفُ سرَّ تخلُّف الأُمَمِ، أنها وقفتْ على أطلالِ الماضي، متعلِّقَةً، و تعلُّقها اقتباسٌ منها، فكيفَ بالواقفِ جالداً؟!


لا يترُك الماضي إنسان عاقل، و لا يتوقَّف عنده إنسان عاقل، أيضاً، الاعتدالُ في الوقفةِ مع الزمن الماضي، زمنِ الأطلالِ هو أن يكون مراجعةً سريعة، ليسَ زمانَ المجتمع، و لا زمان الفِكْرِ، إنما هو زمانُك أنت، سنَتُك الماضية الراحلة.


ليس أجملَ من اعتبارِ كل إنجاز في الوقت الآفل، الماضي، إنجازاً تاماً كاملاً، بمقياسِ النجاح و التحقيقِ، وصفاً، لا بمقياسِ الكمِّ بالنِّسَبِ المئوية، و بمقياسِ المَظفورِ لا بمقياسِ ما لم يُظْفَرْ به. و ليس هناك حال أكمل من الامتنانِ و الشكر و العرفان للربِّ على هذا الوقت الذي كان ظرْفاً لنا و لأعمالنا، فيكون بذلك شاهداً لنا.


الوقت الحاضر هو الوقتُ الآن، الذي يدخلُه الإنسانُ في لحظةٍ مَّا، لا يشعُرُ بها، و لا يكاد ينتبه لها أحد، لو أراد، لأنه هي كل لحظةٍ، و قد يكون الحاضرُ هو الماضي في آنٍ، من شدة امتزاجهما. لكن الحاضرَ عند الواعي بوقتِهِ لا يجعله حبيسَ اللحظةِ الحاضرة، بل هو امتدادٌ زمنيٌّ معتدلٌ، مُقارِبٌ لوقتِهِ المتوسِّط، أسبوعاً، شهراً، سنةً، لا أكثر، فما بعدها زائداً يكون مستقبَلاً بعيداً، أو يكونُ مُستقبلاً قريباً و حاضراً بعيداً، فيكون حاضراً في المرتبة البُعْدى.


يقِفُ الإنسانُ على إطلالةِ زمانه الحاضر، في اللحظةِ الآن، ليصنع فيه من رؤيةٍ زماناً يحملُ فيه أُمنياتِهِ، و ينقُلُ فيه أهدافه و غاياتِه، يكون ممتازاً و مختلفاً عن الوقت الماضي الذي نادَمَ فيه أطلالَه، فيكون في حاضره إنساناً مختلفاً كذلك عنه فيما مضى، في كلِّ شيءٍ، ما استطاع إلى ذلك، لأنه في كلِّ لحظةٍ جديدةٍ هو إنسانٌ جديد، مَن كان هو هو في كُلِّ أحواله، لم يختلف أدنى اختلاف، فهو لم يُميِّزْ إنسانيته بشيءٍ، بل لم يجعل من وجوده معنى.


في إطلالةِ الإنسانِ على قادِمِ وقته الحاضر يكون ناشراً و ناثراً فيه أهدافه، و غاياتِه، واضحاً فيما يريده، واثقاً بقواه في بلوغ الغاياتِ، مُستنِداً إلى توفيق اللهِ له، و بهذا يسهُلُ له السيرُ نحْوَ النهايات. و لا يكونَنَّ مُدَقِّقَاً، و لا مُبالغاً في التفصيلِ لخطواته، فالتدقيقُ الدقيقُ تمزيقٌ، و التفصيلُ تخذيل.


هنا الإنسانُ و هو واقفٌ على شُرْفَةِ الماضى يستشرِفُ الحاضر القادم يكون ممتلئاً بكل الثقة و اليقين، و متمنياً كلَّ الأمنياتِ بقوةٍ، أن يكون المستقبل الحاضر، أو الحاضر الذي حلَّ، عندما يكون بهذه النظرة الجميلة لوقته القادم، الحاضر، سيكون مستعداً لما يريده، لأنه في حالِ امتلاءٍ بما يريد.


كثيراً ما تجتمع هذه الحالة للإنسان، أن يُنادِمَ أطلالَ ماضيه و يستشْرِف بإطلالةٍ حاضرَه في نهايةِ سنةٍ و استقبالِ سنةٍ، سواءً كانت سنةً ميلاديةً أم هِجريةً، أو كانتْ سنةَ ميلادِ الإنسانِ نفسِهِ، في آخرِ يوم الأولى و أول يوم الثانية، بينهما يكون الإنسان في حالةٍ من اجتماعِ الوادع و الاستقبالِ.


قاعدة: أيها الإنسان؛ ميِّز أيامَك الفاصلة، بدايات و نهايات السنة، بشيء مختلف.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى