المجلس الرابع عشر
11/5/1433
3/4/2012
قال أبو الطيِّبِ المتنبي :
إذا صحَّ منك الوُدُّ فالكُلُّ هيِّنٌ و كُلُّ الذي فَوقَ التُرابِ تُرابُ
وحيُ البيتِ :
الناسُ أبناءُ بعضهم، يَقومونَ على سَنَنِ التواصل، و يتصلون على قانون المجتمع، يزيد بعضهم لبعضٍ و في أنفُسِ بعضٍ رُتبةَ القُرْبِ الأكثر، حتى ليَغْدو الإنسان أقربَ إلى الإنسانِ من قريبِهِ في النَّسَبِ.
قديماً قالَ بعضٌ: “ليس الشأنُ أن تُحِبَّ و إنما الشأنُ أن تُحَبَّ”، فالكثيرون يبذلون حُبَّاً لمن يرغبون قُرْبَه، و ليس كلَّهم يَحْظَوْنَ بالحُبِّ ممن مَنحوهُ الحُبَّ.
هُنا، كان لأبي الطيِّبِ جَمالٌ في الإشارةِ إلى هذا المبدأ، و تقريرٌ لهذا القانون، فإذا ما ظفر الإنسانُ بمودةِ مَن يُوادِدُه استحقَرَ كلَّ شيءٍ دُونه، فغايةُ مطلوبِهِ نوالاً لذلك الحُبِّ، و حَظْوَةً لتلك المودَّة.
لا يبلُغُ الإنسان حالَ الوِدادِ إلا حين يبلُغُ المَودودُ لديه حالَ اندماج النفسِ في النفسِ، و حين يكون للمودودِ شأنٌ لا يُشارِكُه فيه أحدٌ، إلا قليلٌ، و القليلُ عزيزُ الحالِ في قانون الوِداد.
ترتِقبُ النفسُ حينئذٍ أن تظفرَ بمُبادلةِ وُدِّها بوُدِّ المودودِ، ليتمَّ لها السَّعْدُ، و تهنأَ برَغَدِ الرفد، فتسيرُ مليئةَ السرور، كاملةَ الحُبور، بأجنحةٍ تأخذها تحليقاً في آفاقِ القلبِ المُحِبِّ.
هكذا هو القانونُ السائِدُ، أن ينالَ الإنسانَ مَودةَ آخر، و لكنه قانون العامَّةِ من أهل الوِداد، و لأهل الوِدادِ الخاصِّ حالٌ أسْمَى، ينالون به الوُدَّ دونما شُعورِ المَودود، و هو أن يكون وُدُّهم صادقاً، صحيحاً على وَزْنِ الصوابِ، فإذا ما صَحَّ مِن إنسانٍ وُدٌّ انجذبَ إليهِ المَودودُ، فالصحيحُ مِن الأفعال يَجذبُ شِبْهَهُ و صاحبه، و لأبي الطَّيِّبِ ” شَبيهُ الشيء مُنجذَبٌ إليه “.
فإذا ما صحَّ مِنكَ الوُدُّ صَحَّ مِن المَودودِ الإقبالُ عليك، بشرْطِ أنْ يَصِحَّ به الوُدُّ، بأنْ يَكون أهلاً لمودَّةِ الوادِّ، و على قانون الوِداد، بقبولِ القلبِ و إقبال النفس.
يَرتقي الإنسان في مقامات القلوبِ حينما يُثبتُها في قلبه على وَجْهٍ صائبٍ، مُوَشَّاةً بأبهى الخُلُل، حينما لا يُخالِجُها خللٌ، و لا تعتريها عِلَلٌ، و يَشُوبُها زللٌ، فهو ينظُرُ إلى صِحَّةِ الصُدور، فإذا صَحَّ الصُدورُ صَحَّ الوُرودُ، فالنهاياتُ على وَفْقِ البداياتِ، و النتائجُ غُنْمٌ إذا ما كانتِ الأسبابُ سِلْمٌ.
قِ مِنْكَ وِدادَك لمودودِك، لتنالَ مِنْه وِدادَك، فلا أدقَّ مِن ميزان القلبِ، و لا أحدَّ من سيف الحُبِّ إذا ما أُشْهِرَ، فإذا ما كان المودودُ مُقبِلاً بِوُدِّهِ لِوُدِّكَ فاحمِ حِماه، و صُنْ، و ارْعَ، و اعتنِ، و أدمِ الأقبالَ في كلِّ حالٍ، فالرعايةُ صِيانة، و العنايةُ أمانة.