هانَ على قلبِهِ الزمانُ فما | يَبِيْنُ فيهِ غَمٌّ و لا جَذَلُ
وحيُ البيت:
لا يسلَم للإنسانِ زمانٌ، و لا يدومُ مناسباً له مكانٌ، فلا بُدَّ أن يعتريهما ما يُذهبُ عنهما الاطمئنانُ إليهما، سُنةٌ الكونِ التي لا تقفُ لأحدٍ، و ناموسُ الوجود الذي لا يستثني إنساناً.
متى ما اعترى الإنسانَ من ذلك شيءٌ، كان له مع زمان حالٌ، و كان له مع وقته شأنٌ، هو في ذلك يسيرُ على بصيرتين: بصيرةِ إدراك الزمان و تقلُّباته، و بصيرةِ معرفته بما يلزمُه، و منهما ينطلقُ في فقه الزمان، و يتحرَّك لمطلبِ الوقت.
إلا أنَّ الإنسان لا يكون في زمانِهِ إذْ تغيَّرَ عليه إلا أن يذهبَ بعيدَ الشأوِ، نأئياً عن بصيرة الحالِ، فالزمانُ في ضيمه كالحُبِّ يُعمي البصيرةَ و يُصِمُّ القلبَ، فيسلُك الإنسان آنذاك مسالك لا تليقُ به، و يُهلِكُ من نفسه ما بقيَ، و ليسَ ذلك من السوءِ في مخالفة السواء، إنما هي شأنُ السويِّ، و من خالَفَ فإنَّه يرتقي سَنام التجلُّد و يصعد قمةَ الصبر، و لكل شيءٍ مُنهتى.
قلبُ الإنسانِ ليسَ صخراً، فهو سيحتملُ بعضاً من الوقتِ سهامَ الوقت، و سيواجه بعض الزمان ضرباتِ الزمان، فهو على حرْفٍ، كنارٍ على علَمٍ، يسقُطُ هواياً، كما تنطفئُ النارُ فوق الجبل.
عند ما تأتي تلك الضرباتُ من الزمان، و من أبناءِ الزمان، على القلبِ يستوي لديه كلُّ شيءٍ، فتغدو الفرحةُ كالترْحةِ، و السرورُ كالحُزن، و اليُسرُ كالعُسرِ، لا لتناسُبٍ فيها بينها، و إنما لأن القلبَ ليس بذاك الذي يُحسن التفريق، فلا يثقُ بالبيضاءِ، إذ ليستْ كل بيضاء شحمة، و لا ينفُرُ من السوداءِ، فليستْ فحمةً، ربما. فيكون الليلُ و النهارُ زمناً واحداً، و تستوي لديه الشمسُ مع القمر.
كلُّ قلبٍ لم يقعْ فيه من ذلك شيءٌ ففيه شيءٌ من الخلل، و اعترته من العلل ما جعلته لا يعي، فالقلبُ السويُّ لا بُد أن تمُرَّ به حالةٌ يضربُ فيها أخماساً في أسداسٍ، فإن لم يفعل ذلك فإنَّه لا يدري أين الوِجهةَ، و مَن جهِل الطريق أخطأه التوفيق.
و الإنسانُ السويُّ من أعطى القلبَ من ذلك حقَّه بقدَرٍ، فلا هو بالذي أرخى له العنان، و لا هو بالذي منعه، فإن ارتخى العنان للقلبِ في هذه الحال اسودَّتْ الحياة، و إنْ منعه صاحبُه نصيبَه من تلك الحالِ تبلَّد، و تبلُّدُ القلبِ كسوءِ تجلُّدِه، و ما كان الوسَطُ شططاً.